منار الرشواني

الإنجاز الحقيقي للثورات العربية

تم نشره في الخميس 26 أيار / مايو 2011. 02:00 صباحاً

مع تفجر الربيع العربي، ظن الجميع تقريباً، عامة وكتاباً وباحثين، أن الديمقراطية وجوهرها احترام حقوق الإنسان، هي النتيجة شبه الحتمية التي لابد وأن تبدأ بالإزهار منذ اليوم التالي لكل ثورة. أسباب كثيرة كانت، ولعلها ما تزال، تبرر هكذا أمل، تبدأ بمحض التفاؤل ولا تنتهي بالاتعاظ من وحشية عقود الاستبداد الذي طال كل من لم يكن في الدائرة الأضيق للعصابات الحاكمة. لكن بين كل الأسباب التي يمكن ذكرها، يظل سبب واحد هو الأكثر أهمية وصدقاً في تبرير هذا التفاؤل بشكل منطقي واقعي لا يخضع للعاطفة، وهو طبيعة الثورات العربية، من حيث هي شعبية وسلمية على السواء.
فعندما توهجت (وتتوهج) الثورات العربية حراكاً شعبياً يوحد فئات يفترض أنها متمايزة على أكثر من صعيد، سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي، وفي انضباط لم يكن من الممكن حتى تخيله، فإن ذلك لم يكن مجرد سلوك حضاري جميل يقدم للرأي العام العالمي المطلوب مساندته؛ مثل هذا الحراك الجامع الموحد يكشف عن واحد من أهم أركان الديمقراطية، وهو "الثقة" بين تلك الفئات والمنتمين إليها، بأن إخوتهم في المواطنة لن يخونوهم عند أول إغراء فئوي أثناء الثورة، يسمح للنخب الفاسدة المتسلطة بأن تستفرد بالبقية وتجهز عليهم، وتالياً على الثورة ككل، في ترجمة فعلية لمقولة "أكلت يوم أكل الثور الأبيض". وهذه "الثقة"، هي المرادف المبسط لما يعرف بـ"رأس المال الاجتماعي" الذي بسببه خصوصاً تكون الديمقراطية ممكنة فعلاً، وقابلة للحياة.
يتضافر مع هذه "الثقة"، ولربما يشكل أساسها المتين، سلمية الثورات العربية، كما يعبر عنها، وفي أكثر من بلد عربي، مواطنون عزل إلا من تصميمهم على انتزاع حريتهم بعد عقود من الاستبداد. فهذه السلمية حين تغدو ثقافة سائدة راسخة، ولابد أن تصير كذلك، يكون ممكناً حل كل الصراعات، الحتمية والطبيعية، في المجتمع، بوسائل سلمية خالصة، وفي القلب منها صناديق الاقتراع قبل سواها.
إنجاز الثورات العربية لم يكن أبداً إسقاط رؤساء مستبدين، بل إن هذا "المنجز" ليس أكثر من نتيجة طبيعية وتحصيل حاصل للإنجازين الحقيقيين السابقين: الثقة، والثقافة السلمية، اللذين بصيانتهما والبناء عليهما يكون ممكناً السير بالثورة إلى نتيجتها الأسمى؛ دولة ديمقراطية حقيقية لكل مواطنيها، سواء اختلفوا بالدين أو العرق أو المستوى لاقتصادي والاجتماعي والتوجه السياسي.
ولعل أهم ما يتهدد هذين الإنجازين اليوم، هو انجرار الثوار أنفسهم إلى عقلية الانتقام من رموز الفترة السابقة ومسانديهم، على حساب البناء للمرحلة القادمة. فمثل هذه العقلية، لاسيما مع توسعها إلى أبعد من المسؤولين المباشرين عن القتل والفساد في مراحل سابقة، تبعث على الأقل رسائل ذعر إلى فئات عدة بإمكانية اختلاق معايير "ثورية" لاستهدافها وإقصائها، ولو بعد حين لن يكون بعيداً. وليكون رد الفعل الطبيعي من هذه الفئات، وبدافع الخوف حتى المتخيل وليس الحقيقي بالضرورة، العودة للانضمام إلى الثورة المضادة لثورة الديمقراطية والحرية.
إن أولى مبادئ التغيير السلمي هو استقطاب أركان الأنظمة الديكتاتورية نحو الشعب بما يؤدي إلى انهيار تلك الأنظمة، بدلاً من تقديم أعذار الخوف إلى تلك الأركان لتبقى متراصة تحمل الأنظمة. وعوضاً عن قوائم سوداء وغيرها لا تحتاجها شعوب أثبتت وعيها وقدرتها على المحاسبة الاجتماعية، لابد من التأكيد على ثقافة التسامح، مع إعلاء مبدأ سيادة القانون وحمايته، واحداً من أسس الدولة الجديدة الضامنة لحقوق كل مواطنيها مؤسسياً وليس بالأهواء الشعبية التي قد يساء استغلالها أو فهمها.

التعليق