تيار اللاعنف في الإسلام

تم نشره في الاثنين 23 أيار / مايو 2011. 03:00 صباحاً

العمل السياسي اللاعنفي تيار عريق ومهم، ومن رواده غاندي ومارتن لوثر كنغ ومالكولم إكس، وغيرهم كثير. وثمة تيار إسلامي واسع يمكن وصفه باللاعنفي. وفي كتاب "إسلام بلا دماء"، الصادر عن مركز المسبار للدراسات في دبي، عرض ومناقشة لأفكار ومقاربات هذا التيار وإشكالياته أيضا. ولكن الكتاب وقع في مأزق حصر تيار اللاعنف بعدد محدود من المفكرين والمؤسسات والجماعات. ويبدو لي أن ثمة خطأ في القول إن التيار السلمي أو اللاعنفي تيار غير معروف أو قليل الأتباع، وأن العمل الإسلامي والمسلمين بعامة منقسمون بين تأييد العنف أو الاستسلام. وقد أثبت الحراك الإصلاحي في الوطن العربي خطأ هذا التعميم، فقد ثبت أن تيار اللاعنف يمثل أغلبية المسلمين، وإذا كان الإعلام قد شغل لفترة طويلة بتيارات العنف والتطرف، فلا يعني ذلك أبدا غياب تيار اللاعنف، ولكنه تيار لم يجتذب اهتمام الإعلام.
يجادل خالص جلبي، أحد دعاة ومفكري تيار اللاعنف، مؤكدا على أن النهج السلمي أو اللاعنفي لا يعني تعطيل الجهاد ولا الصلح مع إسرائيل، فتحييد العنف ليس تكتيكا سياسيا، وهو نهج، برأي جلبي، عملي أكثر مما يتصوّره الكثيرون، واقتصادي إلى أبعد الحدود.
ويرى جلبي أن العنف ذو ثلاثة تجليات: كراهية، وتهميش، وحذف للآخر. ويعرفه باختصار بأنه عدم اعتماد الخطاب الإنساني، والتصرف الفيزيائي باليد والسلاح، أو إلغاء الآخر، وعدم السماح للآخر بالوجود والتعبير.  ويتفرع من التأسيس السلمي العربي بناء المجتمع المدني، والتخلص من حالة الطوارئ وعسكرة المجتمع، والنمو الخرافي لأجهزة الأمن، والتسلح إلى درجة الغرق، والعجز المالي، والديون الخارجية، والخوف من الجيران.
يقول جلبي إن الأسلحة اليوم مثل أصنام قريش التي لا تضر ولا تنفع، ولا تملك موتا ولا حياة ولا نشورا، فالاتحاد السوفييتي إنهار وهو يملك أسلحة تدمر العالم عدة مرات بانهيار داخلي بحت، في الوقت الذي صعدت اليابان وألمانيا إلى القمة العالمية من دون قوة السلاح، فقد كانت الحروب قديما تؤدي دورا من الغنائم والأسلاب والرقيق، واليوم فات وقتها. فكما تم إلغاء الرق، فالعالم في طريقه لإلغاء مؤسسة الحرب، مثل أي مؤسسة تولد وتنمو وتموت، أو أي كائن له دورة حياة ومصير ينتهي إليه، "ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون".  المسألة ببساطة يلخصها جلبي بمقولة لا تراجع ولا رد للأذى. فالسلمية لا تعني الانسحاب والهزيمة، ولكنها المواجهة من دون سلاح. ويدخل عدم التراجع أو الخوف أمام الآخر، الحيرة إلى موقفه، وينتقل في طيف متتابع من مواقف نفسية شتى، بدءا من متابعة الهجوم إلى التردد، فالدهشة، فالفضول، فالتوقف، فتبني الموقف السلامي. ومن المهم جدا التدريب على الاستمرار في عدم ردّ الأذى، وضبط النفس، وعدم التراجع أو الخوف أو الشعور بالإحباط واليأس والبقاء على الثقة بالإنسان "ولنصبرن على ما آذيتمونا".

التعليق