إعادة ترتيب البيت الحكومي

تم نشره في السبت 21 أيار / مايو 2011. 03:00 صباحاً

احتاجت البلاد إلى سنوات وربما عقود ليتسنى للحكومة " الرشيدة " ان تقوم بخطوة الى الامام في جانب التخلص من الاحمال الزائدة والتشوهات الادارية والتعددية الاستثمارية ، اخيرا اتخذ قرار بدمج وزارات ومؤسسات والغاء اخرى متشابهة تمهيدا لاعادة هندسة القطاع الحكومي او ترتيب بيت الحكومة من جديد.
فعلا انها خطوة الى الامام ، فالمستثمر كان يضيع وسط تعددية المرجعيات الرسمية التي تتجاذبه ، وفي مؤتمر واحد يضم مشاركين من العرب والعالم كنت تشاهد مسؤولين محليين عديدين يسوقون لمؤسساتهم من دون ان يكون الأردن ككل كلمة السر الأولى والاخيرة في جهد التسويق ذلك ، فذاك ينادي للمدن الصناعية وآخر للمناطق التنموية وثالث للمنطقة الاقتصادية الخاصة في العقبة ورابع لمؤسسة تشجيع الاستثمار وخامس وسادس، وعدد لا باس به من المسؤولين كان يحضر حفلات الغداء والعشاء ، ولا يفتح فمه الا للطعام في تلك الحفلات ولا يعنيه ان نجح تسويق الاردن ام اخفق.
ولعل تنفيذ برنامج اعادة هيكلة الجهاز الحكومي والبحث عن معايير أكثر مهنية في توزيع الموارد البشرية ورواتبها بما ينسجم مع التخصصات والخبرات ويحقق العدل ويزيل الظلم امر ينشده الجميع ، فمن العبث ان نتحدث عن تشريعات سياسية واقتصادية ذات منحى اصلاحي بينما يغرق القطاع الحكومي في تشوهات الظلم والتباين وغياب المعيارية ، ويكفي ان نقول ان راتب اي سكرتيرة في الحكومة لا يتطابق مع نظيرتها التي تحمل المؤهلات وسنوات الخبرة والشهادة ذاتها ، وللقارئ ان يتخيل البون الشاسع بين آخرين بمسميات وظيفية داخل الجاهز الحكومي نفسه ، وكذلك الامر الفروقات بين راتب المعلم وغيره من اصحاب المهن الاخرى.
ثمة جرأة في القرارات رغم انها متأخرة ، فمن المفيد جدا ان يتم دمج جمارك سلطة المنطقة الخاصة في العقبة الى دائرة الجمارك العامة كما ان تغيير ارتباط المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي من وزير العمل الى رئيس الوزراء يعد نقلة نوعية على صعيد تحصين عمل هذه المؤسسة التي تشكل الذراع المالية الأكثر أهمية في القطاع العام، والتي استبيحت في السنوات الماضية لاعتبارات شكل مجلس المؤسسة او لقراراته التي كانت تتبعثر هنا وهناك بموجب تعدد المرجعيات احيانا والرغبة في ايجاد حلول سريعة لمشكلات حكومية او ذات صلة بالقطاع العام في احيان اخرى.
وقد تساعد الهيكلة المأمولة في رسم صورة أكثر عدالة بين رواتب الموظفين لا سيما ان هنالك تمايزا واضحا في الرواتب بين من يعمل في الوزارات وبين من يعمل في المؤسسات المستقلة ، وقد ترسم تلك الهيكلة ان انجزت على نحو معياري شفاف مشهدا جديدا لاحوال موظفي المهن المختلفة بعد هستيريا الاعتصامات والتظاهرات في الشوارع التي لجأ اليها ابناء معظم المهن طلبا الى العدالة التي كان يراها كل موظف بعيدة عنه وعن مهنته كيفما نظر اليها.
ترتيب البيت الحكومي خطوة استراتيجية نحو منح فرصة للاصلاح ان يتكامل فلا اصلاح اقتصاديا من دون اصلاح الادارة الحكومية، ومهما كانت كلفة الاصلاح الاداري يظل الثمن اقل بكثير من بقاء الاوضاع الادارية بتشوهاتها المعروفة على ما هي عليه في اللحظة الراهنة ، وفي تقديري ان القرارات التي اتخذتها الحكومة مؤخرا اسست لتفكيك أي حديث عن قوة اصحاب النفوذ او القوى التقليدية التي تعادي الفكر الاصلاحي داخل الدولة ، فدمج مؤسسة مع اخرى يشير بصورة مباشرة او غير مباشرة الى قدرة الحكومة على الفعل من دون الالتفات الى اعتراض هذه الشخصية او تلك، علاوة على ان ذلك يعزز من كفاءة الاداء ويمهد الطريق لعمل حكومي اقرب الى الشفافية منه الى الارتجال والفساد.

التعليق