د.أحمد جميل عزم

ما الذي جمّد "الجزيرة ليكس"؟

تم نشره في الثلاثاء 3 أيار / مايو 2011. 02:00 صباحاً

مضت أشهر على كشف قناة "الجزيرة" لوثائق المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية. وبعيداً عن موضوع المفاوضين والمفاوضات، ومن دون أن يقفز للذهن أن انتقاد "الجزيرة" دفاع عنهم، هناك أمر آخر فيما فعلته "الجزيرة"، يتعلّق ببعد مهني بحت، لا علاقة له بالمفاوضات، آثرت حينها الانتظار قبل تناوله.
ما قدّمته "الجزيرة" لم يكن برنامجاً تلفزيونياً جديداً، بل هو إطلاق لخدمة جديدة متكاملة خاصة بتسريب الوثائق، تحت اسم "كشاف الجزيرة"، على غرار موقع "ويكيليكس" على الإنترنت، يعمل وفق تقنية خاصة لتسهيل تسريب المعلومات والوثائق من دون أن يعرّض من يسربها نفسه للخطر.
يبدأ ارتباك الباحث أو المتفحص لهذه الخدمة، بمجرد دخوله إلى الموقع الخاص بها، ومقارنته بين ما هو مكتوب فيه باللغتين العربية والإنجليزية. فعند القراءة بالعربية نجد وتحت عنوان "من نحن" نصا يفترض أن يكون تعريفا بالخدمة ككل: "أطلقت شبكة "الجزيرة" موقعاً جديداً سمته "كشاف الجزيرة" يتضمن نحو 1600 وثيقة تتألف من أكثر من ستة آلاف صفحة تسجل تفاصيل المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية خلال السنوات العشر الأخيرة. يهدف الموقع إلى إطلاع المهتمين على ما يدور بين السياسيين خلف الأبواب المغلقة، أو ما يتاح من أسرار حول قصص الفساد وموضوعات انتهاك حقوق الإنسان، وغير ذلك. وتبدأ الشبكة اليوم بكشف سجلات التفاوض بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل والأطراف والدول المنخرطة في هذه المفاوضات..". مثل هذا التعريف موجود حتى كتابة هذه السطور، يوم أمس الاثنين، ويبدو منه كما لو كان قد أعد ليوم واحد وموضوع واحد.
أمّا إذا انتقلنا إلى الصفحة الموازية باللغة الإنجليزية، التي يفترض أن تقدّم المعلومات نفسها (About Us)، فسنجد ما ترجمته: "أطلقت وحدة الجزيرة للشفافية (AJTU)، في كانون الثاني (يناير) 2011، بهدف تفعيل (mobilize) جمهورها -في كل من العالم العربي وخارجه- ولتقديم جميع أشكال المحتوى (من وثائق، وصور، ومقاطع صوتية، وكذلك قصص إخبارية)، وذلك بغرض المراجعة التحريرية، وإذا ما أجيزت تبث على الشبكة، وفي خدمات البث الخاصة بنا باللغتين العربية والإنجليزية". ويتحدث الإيجاز عن أنّ "الجزيرة تحرص كثيراً على حماية هويّات مصادرنا، ووثائقنا. وستُرفع الوثائق وتُخزّن على خوادمنا الآمنة، وسيكون الدخول إليها للصحافيين الذين يعملون في وحدة الشفافية في الجزيرة فقط".
لا يوجد في التعريف بالإنجليزية أي إشارة للوثائق الفلسطينية، أمّا بالعربية، فالأمر شبه محصور بها. فهل هناك نقص في الترجمة لدى الجزيرة؟ بالتأكيد لا.
التباين بين النصين العربي والإنجليزي له دلالات محتملة؛ أغلبها لا يليق باسم وحجم "الجزيرة"، منها أنّ السرعة والعجلة سببتا ذلك، أو أنّ هناك مشكلة تواصل بين مطوّر الخدمة ومحررها بالإنجليزية ونظيره العربي. ولكن لا يمكن تجاهل فرضية أن الخدمة ربما طوّرت بعد الحصول على الوثائق الفلسطينية، أو على الأقل تسارع العمل عليها بسبب ذلك، وأن المحرر باللغة العربية ركّز على الملف الفلسطيني، وتراجع اهتمامه بعد تمرير الوثائق.
أتيحت منذ إطلاق الخدمة، أسرار كثيرة في أماكن عدة، منها مثلا وثائق جهاز أمن الدولة المصري، التي رميت في كل مكان، فلماذا تجمّدَت هذه الخدمة الجديدة عند الموضوع الفلسطيني ولم تُضف لها أي وثائق؟ وهل حاول أي طرف أن يرسل لها وثائق ولم تنشرها؟ أم أن الوثائق المستهدفة عن موضوع واحد فقط؟ يبدو موقع هذه الوحدة، كما لو كان مهجورا، منذ أداء مهمته في الوثائق الفلسطينية، فهل هناك وحدة حقا وموظفون؟ وماذا يفعلون منذ ذلك الوقت؟
تبدو الاتهامات الليبية/ السورية "للجزيرة" مثيرة للضحك، وبعض الارتباك في تغطية الأحداث العاصفة الراهنة أمر يمكن التسامح معه، ولكن ذلك لا يلغي أنّ القناة ليست فوق النقد، خصوصا من باب الحرص على الفضائيات العربية.

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كشاف الجزيرة واحترام المتابع العربي! (نورا جبران)

    الثلاثاء 3 أيار / مايو 2011.
    لم تصدمني مراجعتي للصفحتين ولا الفرق الذي لا يُقارن بينهما، فيما يتعلق بمهنية وأداء الجزيرة، فقدت قدرتي على الصدمة تماما، لأن ما يدعو للصدمة لا يعد ولا يُحصى. أنا ألوم القاريء والمتابع العربي الذي لا يعبأ بمهنية الإعلام ويتلقف كل شيء، بناء على افتراضات وأفكار مسبقة غير قابلة للتمحيص!! وإلا فما معنى أن يكون النص الموجه للقاريء غير العربي بهذا الاحتراف والشمولية والاحترام، بينما النص الموجه للقاريء العربي يقتصر على لفت الانتباه لزوبعة ملف المفاوضات! هل يوجد تسطيح واستخفاف أكثر من هذه الفضيحة بعقل وإمكانات القاريء العربي؟!!!
  • »عنوان التعليق (منى عوض الله)

    الثلاثاء 3 أيار / مايو 2011.
    ما اشار اليه المقال فعلا يثير التساؤل والعجب .. ويدعو للاسف ايضا ..
    عندما يكون مصدر قناة الجزيرة في الوثائق المنشورة في وحدة الشفافيه والمشرف عليها هو كلايتون سويشر فإن هذا يضع الكثير من علامات الاستفهام حول عمل هذه الوحدة.. لا اريد ان اسرح بخيالي بعيدا ولكن يبدو ان انشاء الجزيرة لوحدة الشفافية كان يرمي لتحقيق اهداف معينة ولكن رياح الاحداث جاءت بما لا تشتهي سفنهم .. لست من هواة تلفيق التهم او استباق الامور، ولكني اجد نفسي -مع كل ما ارى واسمع- مدفوعة الى زاوية الشك والتساؤل .. وقبل نقول لماذا توقفت، اتساءل لماذا انشأت؟ (بالتأكيد انا لا انتظر سماع جوابا عن الاسباب المعلنة من قبلهم)
  • »الاتهامات المصرية الليبية / السورية (أحمد عزم)

    الثلاثاء 3 أيار / مايو 2011.
    عزيزي الأستاذ زياد، أنا أعني الاتهامات الصادرة عن الحكومتين، التي تتحدث أن المشاهد ملفقة ومزورة وأنه المظاهرات في بلدان أخرى. حتى المفاوضين الفلسطنيين لم يشككوا أن الوثائق صحيحة، هم اعترضوا على طريقة التغطية، التي هي ليست موضوع هذا المقال. ولكن في سوريا وليبيا يراد أن نكذب أعيننا. أنا في هذا المقال أتساءل لماذا توقفت وحدة الشفافية في القناة عند عمل واحد، وعن اختلاف العربي عن الانجليزي.
  • »عنوان التعليق (زياد ابوشاويش)

    الثلاثاء 3 أيار / مايو 2011.
    تحياتي دكتور احمد
    انا الذي يتهم الجزيرة بما يخص الحدثين الليبي والسوري وموضوع الوثائق قد لا تثير اي اهتمام اليوم او هي لن تضر كثيرا المسار الفلسطيني بعد المصالحة لكن ما تقوم به الجزيرة في البلدين ندفع ثمنه دماً وتدخلاً وربما تقسيماً لبلادنا....وبين الجزيرة والمهنية في كلا البلدين مليون ميل..كنا نحترم الجزيرة لكن بعد الغطاء للتدخل الغربي من قطر ودول الخليج وكذلك الوثائق الفلسطينية لم يعد هناك لا ثقة ولا احترام...هؤلاء مأجورين ومن وراءهم بيدق صغير عن] الامريكيين ولا حول ولا قوة الا بالله.
    زياد ابوشاويش