هاني البدري

خلف خطوط الأشقاء

تم نشره في الاثنين 2 أيار / مايو 2011. 03:00 صباحاً

مرت أيام لم تتبادل بنات العم عبر "الشيك" أطباق اليوم.. تلك عادة عاشت معهن منذ سنين. لم تسمع نساء عمراوة منذ فترة زغاريد قادمة من بيت الجد القديم في تل شهاب، بل هي أعمدة دخان، ورائحة موت تخترق "الشيك" كما أشياء أخرى.
أيام مضت، لم تشهد تلك النقطة الحميمية المعروفة عند الأهل في الطرفين جلسة "السواليف" وأخبار الناس وأحوال الدنيا وهمومها. الأخوال في درعا مهمومون اليوم بحال من بقي منهم، يلملمون جراح فراق من رحل. لم يعُد يدري أبو بسام في الذنيبة أخبار قرابته وصديقه وابن عمه مصطفى الزعبي، انقطعت كل الأخبار إلا تلك القادمة عبر الشاشة ونقلاً عن هواتف متنقلة أُردنية كانت تُسَّهِل الاتصال بين أبناء الأُسرة الواحدة.
"زيتات السنة ونُصية المخلل" وخوخ الشام وقمح الشجرة والجميد الكركي.. لم يعد بمقدورها أن تمر عبر الشيك في أطيب تبادل حدودي بين بشر تجمعهم صلات الدم ولا يفرقهم شيك ولا جغرافيا. لم تكن المسافة بين مسطبة العم أبو طالب في طَفَس ومنزل أبو النصر بهذا القرب يوماً، وحتى تلك الأصوات المُدوية في أنحاء قرى درعا وأعمدة الدخان المنبعثة من المزيريب والحارة، قريبة أيضاً وتُوجع القلب هنا، كما هي هناك عبر السلك الشائك. لم يجرؤ هذا السلك الحدودي البائس أن يفصل بين كل هذه التفاصيل اليومية.. بين أُخوة دم وهم ولهجة واحدة.. "حَيِِدْ عن الراس وإذرب" تقال كما هي محببة وظريفة في الطرفين.
اليوم لا مجال لاختلاق حالة العزل في جغرافيا ذابت فيها التضاريس وصهرت القربى جوانب الاختلافات.. ثم يُطلب من الأهل أن يَغُضُوا البصر عما يجري في بيت خالتهم المجاور. أي قرارٍ أو إرادة تلكَ التي تُجبر الفلاح -الرمثاوي- الطيب نمر الزعبي أن يسد أُذنيه عن تأوهات من كانوا هنا قبل أيام في عزاء محمد الفلاح و"قضوا أياماً يتقبلون العزاء معنا"؟! هم أنفسهم في تل شهاب وزيزون شاركونا تزويج شباب القرية، ووقفنا معهم جاهة أولاد العتوم. "برَاد" الخضار هذا الذي نراهُ اليوم على شاشة الجزيرة كنا نعرفه في الرمثا جيداً، نستوقفه لنسأل عن أسعار الكرز والدراق الشامي. لعلي أعرف بعضاً من ركابه الآن.. واحد أو أكثر من شباب قرية الحارة المجاورة حتماً بين هذه الجثث التي تنشرُ أرضية البراد.. وإرادة ما تُسمي نفسها احترام سيادة الدول الشقيقة تطالبني وأنا أسترجع كل هذه الصور عند مدخل الرمثا أن أنسى! يستغربون غليان الدم في شرايين البشر الحقيقيين في عمراوة والشجرة وذنيبة والطرة وفي أنحاء الرمثا عندما يستقبلون أعراضهم وكرامات أبناء عمومتهم التي داستها آليات الموت. كيف تؤوونهم ولِمَ تفتحون لهم أبواب مدارسكم في عمراوة وبيوتكم؟ يستكثرون عليهم هذا الدم الحامي والضمير الحي.. أبناء العم أيضاً بحاجة لمساجدكم التي أُغلقت.. لعلهم أحوج لمناجاة أو لدعوة ترحم بين يدي الخالق على تلك الأرواح الشابة اليانعة.. بلا كهرباء ولا ماء ولا خبز ولا حليب للأطفال ولا أدوية سكري وضغط لهؤلاء الدرعاويين الكبار، فقط لأن أهل درعا بعشائرها وكبريائها رفضت أن يحولَ الموت بينها وبين الدفاع عن شرف بناتها وكرامة شبابها التي داسها محافظٌ أرعن هو النسخة السورية لمن صفعت البوعزيزي في المشهد التونسي.
أتعرفون لماذا هبت قرى الرمثا لإيواء الناس ومساعدتهم؟ لأن العشائر الرمثاوية معنيةٌ أيضاً بهذا الشرف، ولأن الأُردنيين ومن حيث المبدأ يرفضون على مر السنين المدرسة التي تتبنى سياسة العصا الغليظة والاستخدام المفرط للقوة. هاجَموا طويلاً عنف الأنظمة العربية المدحورة والأخرى التي في طريقها لذلك.. ضد شبابٍ جريمتُهم أنهم قالوا لا للاستبداد والظلم بعد اليوم، فما بالنا نحن مع إخوتنا في درعا ونحن نقف خلف خطوط الأشقاء تماماً؟!
اليوم تحديداً، سيعيد الشباب الرماثنة الحياة لحدود الرمثا (أتذكرونها؟!). ستَحشُدُ إرادة الناس الذين مازالت في عروقهم دماء لم تصبح ماء أبداً.. لحمل المساعدات الإنسانية؛ الماء وحليب الأطفال الذي لم تعرفه أحشاء صغار درعا منذ أسابيع، وأدوية غُيبت بقرار.
ستعود الأخبار والقصص لتمر عبر السلك الشائك الذي سيكتشف بنفسه أن لا معنى ولا جدوى منه، طالما أن وشائج أكبر بكثير من الحدود والجغرافيا الساكنة تُحَرِّكُ إرادةَ الناس ومشاعرهم، وتُشركهم في الأوجاع كما كانت في أفراح الشباب الذين يتأهبون "لدخول دنيا" جديدة في قرى حوران. وستعاود هدايا الجبنة والخوخ والجميد لتجد طريقها قريباً، ولعل البرادات القادمة على الطريق الدولية عبر الحدود ستحمل أخباراً أُخرى غير كل تلك الجثث لشهداءَ لم يُكتب لهم أن يدخلوا الدنيا الجديدة.

hani.badri@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »شكر و امتنان (كرم)

    الاثنين 2 أيار / مايو 2011.
    مشكور اخوي الكاتب على كل اللي ذكرته بالمقال و اللي اعاد الذكريات القديمه للحياة من جديد و اللي كمان ذكرنا بواجب الاخ تجاه اخيه و الله يقدر الجميع على المساعده و القيام بالواجب و الله معاكم و احنا امعاكم يا اهلنا في درعا الصامده الابيه
  • »مقال رائع (شيماء شبول)

    الاثنين 2 أيار / مايو 2011.
    من أجمل ما كنب حول العلاقات الأخوية لمتينة بين الشعبين الشقيقين . و قد أعجبني التطرق الى هذه التفاصيل الراعة و تذكيرنا بها حتى لا ننسى حق الجار على الجار في هذه الأوقات العصيبة بالذات . شكرا للكاتب الانسان الأستاذهاني البدري على توةاصله الانساني الدائم .
  • »عنوان التعليق (محمد الزعبي)

    الاثنين 2 أيار / مايو 2011.
    سلم قلمك ايها الصحفي القدير كيف استطعت ان تصل لكل هذه المعلومات لم يتعرض من الصحفيين احد لكل هذا التلاحم وسر هذا التوحد بين عوائلنا في الرمثا ودرعا الا انت لك التحية