هناك .. واليوم

تم نشره في السبت 30 نيسان / أبريل 2011. 03:00 صباحاً

أن تنأى عن اللحظة الراهنة في إبصار ما يجري حولك، يعني أنك منبتٌّ عن الواقع، مسكون بوحشتك، برغم ادعائك بأنك ممتلئ بذاتك، محشو برخائها، منعمٌ في بهو كسلها.
اللحظة دامية، وتعصف بكل ما حولك، فكيف يمكنك ان تسير وحيدا من دون ان تلمس وجعا هنا، وتلتقط روحك صرخة هناك؟ كيف يمكنك أن تنظر إلى ما يجري على مقربة من نبض القلب، شمالا، هناك حيث القمح والسهوب المديدة في الجرح والذاكرة والتاريخ، تبحث عن علبة حليب لطفل، ورغيف خبز لفتى جائع، وشربة ماء لأم جاءها خبر سقوط ابنها شهيدا قبل دمعة ساخنة؟
كيف تستطيع احتمال وجع تلك الأم التي ثكلت، لأن ولدها خرج في تظاهرة يهتف للحرية؟ أمٌ تندب جرحها، الثقب العميق في وسط القلب، ذلك الذي سيظل مفتوحا حتى حين تزهر حدائق الله، وترتفع رايات الحرية في السماء، محلقة مع طيور الأمل التي انتظرناها طويلا؟
هناك، حيث الدمعة ساخنة جدا، وحيث الأنين يتفلت من بين الجدران المُغلّقة، وحيث الصور التي تتداعى عبر الأثير، محملة بشهقة النصر والحرية، لا يمكنك أن تجلس خلف نرجيلتك تنفث دخانها في فراغ لعنتك، فإما ان تكون او لا تكون، أن تحس أو لا تحس. أن ترسم مشاركتك للخارجين الى حلمهم، ويذبحون من أجل كلمة، أو تقف أمام المرآة هزيلا، إلا من ظنك أنك حي، لا ينقصك سوى تعديل ياقة قميصك.
وهناك، حيث ترتسم بوارق الفرح على خيول الدم، لا بد أن تظل متيقظا، مترقبا للوجع الذي يسيل في شوراع درعا ودوما وبانياس وحمص، ودمشق وغيرها من المدن، التي حفظتها الجغرافيا وحفظها القلب، وحفظتها التواريخ، تلك التي تنزف في سورية المطر، سورية الياسمين، شقيقة الرغيف والحنطة، أخت الحرية، وفرس الفتوح الاولى، وعاصمة التوق البشري الأول للحضارة.
لن تغادرك اللعنة وأنت تنسل خارجا إلى أتون الصورة الشائهة، تلك التي تنتزع انتزاعا لتبديد صورة ثوار سورية وهم ينتقلون بوطنهم إلى ما كان يجب ان يكون عليه، حرا، قويا، لا تحكمه شرذمة، تخشبت، وتسلّخ جلدها، ولم تجلب إلى الأمة إلا كوارث، ولم تأخذ الأمة إلا إلى تيه، ولم تحتم في لحظة من لحظاتها إلا بالاستبداد، وبما دلقته في وجوهنا من مبادئ، تكرس واحديتها، وقمعها وظلمها.
هناك .. واليوم، تشتعل اللحظة التي تعيد للروح السورية توقها الجارف نحو المضي من دون خوف إلى الأمل، ولن تذهب صرخات الثوار المطالبين بالحرية سدى بعد الآن، لانها زرعت قمحها في سهول حوران، وروتها بالدم.

التعليق