محمد برهومة

الخليج ومصر ما بعد مبارك

تم نشره في السبت 30 نيسان / أبريل 2011. 03:00 صباحاً

من الباكر القول إن نظاما إقليميا جديدا يتشكّل عقب الثورات والاحتجاجات التي تسود منطقتنا، فتوازن القوى والمصالح ما يزال قائما، ولم تفقد أي من القوى الإقليمية مكانتها، ولم تصعد قوى أخرى جديدة، لكنّ احتمالات ذلك مفتوحة. وهذا يصحّ، في جانب منه، عند رصد ومتابعة تنامي تشكّل هويّة وطنية مصرية جديدة بعد إسقاط مبارك، تنحو باتجاه إعادة هيكلة السياسة الخارجية المصرية عبر الارتكاز إلى الرأي العام المصري والتفويض الشعبي، وفي أثناء هذه العملية الجارية يتضح جليا من الجدل المصري السياسي والإعلامي، الممتد منذ يناير الماضي وحتى الآن، حجم التحسس من مسألة الإملاءات الخارجية، وهو مدخل مهم لمقاربة مسألة العلاقة بين طهران والقاهرة وتطويرها، إلى جانب محورية البعد الاقتصادي في أي تطوير يتم في هذا الاتجاه. وإعادة الهيكلة يشمل أيضا، وفق نائب رئيس الوزراء المصري يحيى الجمل، إعادة الاعتبار للعلاقة مع العرب والأفارقة، بعد أنْ "ركّز نظام مبارك خلال السنوات الماضية على العلاقة مع أميركا وإسرائيل"، بحسب الجمل.
 وقد أثارت الجولة المصرية التي بدأها منذ أيام رئيس الوزراء المصري عصام شرف، على دول الخليج نقاشا رسميا حول ما يُقال حول وجود تردد خليجيّ ما في التعاطي مع مصر ما بعد مبارك، وهو تردد سياسي واستثماري في وقت واحد. وإذا كان ثمة تردد خليجي بالفعل، فإن من المهم ملاحظة أنّ الخليجيين ليسوا وحدهم في هذا السياق، فمراقبة التردد (وأحيانا التناقض) التركي في التعاطي مع "الربيع العربي"، تقدّم مثالاً لا يخلو من الدلالات. وإذا كان ثمة تحدٍ للسياسة الخارجية الخليجية يتمثل في أهمية مغادرة فترة مبارك، فإنّ من الضروري ملاحظة المستجدات على الساحة الخليجية بخصوص تحديات الأمن الخليجي في ضوء حالتي البحرين والكويت (شبكة التجسس الإيرانية). ودول الخليج تلحظ ضرورات تبني تكتيكات جديدة في مواجهة الهواجس التي تخلقها إيران لأمن دول الخليج ولعبها على ورقة الطائفية. ولذا من المهم أنْ تكون الجولة المصرية مناسبة لتحويل شعار "أمن الخليج خط أحمر بالنسبة لمصر" أو شعار أنّ "أيّ علاقة مع طهران لنْ تكون على حساب المصالح الخليجية" إلى سياسات معلنة وواضحة، تأخذ في الاعتبار المستجدات في مصر ودول الخليج في آن معا، وتؤكد أنّ ثمة مصالح مصرية ـ خليجية هائلة ليست مستندة إلى مجرد العلاقة الشخصية القوية التي كانت تربط حسني مبارك بدول الخليج.
 والتحديات التي تواجهها دول مجلس التعاون عززت من أهمية العمل الجماعي الخليجي (التفكير في كونفدرالية خليجية ومناقشة تحويل قوات "درع الجزيرة" إلى قوات انتشار سريعة وردع دائمة مشتركة)، وتركتْ تأثيرات جديدة في السياسة الخارجية الخليجية، لا سيما وأنّ غموض وتراجع الدور الأميركي في المنطقة فرضا على دول مجلس التعاون أنْ تسلك مسارا خاصا بها لتأمين مصالحها، كما فرضا عليها كذلك أنْ تنوّع من أدوارها في الإقليم (مثل دعم التحرك الدولي في ليبيا، والانخراط في مواجهة خطر القرصنة على صناعة النفط والتجارة الدولية).
 الجولة المصرية في دول الخليج محطة مهمة لمقاربة آفاق التوقعات لمدى الانزياحات التي ألمّتْ بالنظام الإقليمي وخرائط القوى والمصالح فيه. لكنّ سعي الدبلوماسية المصرية الجديدة إلى مسك العصا من منتصفها أمامه (عند الحديث عن العلاقة المصرية ـ الخليجية أو آفاق العلاقة بين طهران والقاهرة)، عقبة تناقض المصالح الخليجية والإيرانية في الإقليم حاليا، والحاجة المصرية الملحّة إلى الاستثمارات الخارجية والعمل على إنعاش الاقتصاد المتردي، مربوطة بقوة في مدى القدرة المصرية على إدارة هذا التناقض، أو الاقتناع بأنّ الرغبة في فتح صفحة جديدة مع إيران لا ترقى إلى أهمية وأولوية العلاقة المصرية الاستراتيجية مع دول الخليج.

mohammad.barhoma@alghad.jo

التعليق