محمد أبو رمان

هذا هو الفرق الجوهري!

تم نشره في الاثنين 18 نيسان / أبريل 2011. 03:00 صباحاً

في مقالها المنشور أمس في "الغد" بعنوان "اليابان تستعيد عافيتها"، تشبّه السياسية اليابانية المخضرمة، يوريكو كويكي، ما حدث في بعض بلدات ومدن اليابان، بعد الزلزال الأخير وإعصار تسونامي، بالدمار الذي لحق بهيروشيما وناغازاكي بعد ضربهما بالقنبلتين النوويتين.
من المتوقع أن يكون حجم الخسائر البشرية المترتبة على الزلزال 23 ألف شخص، أمّا الخسائر الاقتصادية والمالية فبحدود 25 تريليون ين ياباني، فضلاً عن الخسائر الاجتماعية والنفسية الأكثر عمقاً وألماً.
مع ذلك، فإن السياسية والكاتبة اليابانية تتحدّث بعزم وإصرار عن الخطوات المطلوبة للتعويض السريع والفوري للخسائر والانطلاق من جديد. وتستعين الكاتبة بالكلمة اليابانية "كيزونا" (بالعربية تعني الروابط بين الناس)، وتشير إلى استعادة العافية لدى اليابانيين، وقد أصبحت قيمة ثقافية تحمل معاني التحدي والإصرار لدى اليابانيين في القيام مرّة أخرى بعد كل كارثة تلمّ بالبلاد والعباد.
أدعو القرّاء الأعزاء إلى إعادة قراءة المقال المذكور، وتحديداً توضيح المؤلفة لسبب تسمية إعصار "تسونامي" بذلك، ويعود استخدامه إلى رواية، أصبحت لاحقاً درساً لطلبة المدارس بعنوان "إحراق حقل الأرز"، وفي الرواية معان ودلالات مهمة، ومؤثرة في الثقافة اليابانية المعاصرة.
"كيزونا" (الروابط بين الناس) أعادتني إلى زيارتنا لتركيا (في الأسبوع الماضي) ولقاءاتنا المفيدة هناك، بخاصة مع رجال الأعمال الأتراك "تسكون"، وطبقة من التكنوقراط والمتخصصين، وجميعهم نذروا جزءاً كبيراً من جهودهم وأوقاتهم وأفكارهم لبناء النهضة التركية، أو ما يطلقون عليه "تركيا الجديدة-المستقبل"، وقد بنوا شبكة كبيرة من المؤسسات الاقتصادية والتعليمية والطبية والبحثية الناجحة، التي أصبحت جزءاً من "القوة التركية الناعمة" في العالم العربي والإسلامي.
المثال القريب من ذلك هو ماليزيا التي رسمت مسارات واضحة ومحددة نحو المستقبل، وسارت خلال عقود قليلة ليعلن قادتها بكل فخر أنّهم اليوم من العالم المتقدّم، بالرغم أنّ الدولة ما تزال إلى اليوم تعيد هيكلة الأوضاع الاجتماعية والثقافية بما يخدم المشروع الاقتصادي والتوازنات السياسية، من خلال ما أسماه مهاتير محمد "التمييز الإيجابي".
بالعودة إلى الحالة الآسيوية المذهلة، فإنّ ما يثير الغيرة من إنجازهم والتحسّر والمرارة على واقعنا أنّ اليابان بعد كل كارثة تعود وتقف لتبدأ من الصفر أو من البدايات، بسرعة قياسية، وهو ما حدث معها بعد الحرب العالمية الثانية، وما حدث مع كوريا الجنوبية بعد الحرب الكورية، ومع ماليزيا ومع تركيا (العدالة والتنمية).
لن نأتي بجديد عند هذه الحدود من المقارنة بين التجارب النهضوية الآسيوية أو الإسلامية الأخرى والفشل الذريع للتجربة العربية.
لكن الإرادة الحديدية اليابانية والنموذجين التركي والماليزي تدفعنا إلى التوقف قليلاً، في الأردن هنا -كمثال عربي- للمقارنة من جديد بين الشعوب والأمم والمجتمعات التي تشتبك مع المستقبل وعينها على الإنجاز والتطور والجدّ والنضال، وبيننا نحن الذين ما نزال ندور حول أنفسنا منذ عقود طويلة، ونشتبك مع ما يعيق التطور والنهضة، لا مع ما يدفعهما، وقد أصبحنا متخصصين في ثقافة الكلام واختلاق التعجيز والاصطدام بمشكلاتنا بدلاً من حلّها!
تلك المجتمعات تنظر إلى هوياتها باعتبارها منجزاً اقتصادياً وتنموياً وتطويراً للقدرات واشتباكاً مع المستقبل، وليس دوراناً حول الذات وتفننا في إضاعة الوقت والفرص.. هذا هو الفرق الجوهري يا سادة!

التعليق