رويشد وأخواتها تديننا جميعاً

تم نشره في الاثنين 18 نيسان / أبريل 2011. 02:00 صباحاً
  • › مقالات سابقة

قبل أيام قليلة، جالت "الغد" مشكورة في قرى لواء رويشد، كاشفة عن حالة البؤس التي تحيط بأهلها، وجعلت منها منذ عشر سنوات جزءا مما بات يعرف بجيوب الفقر، بعد أن لازم الفقر أهلها، وسرق أملهم بمستقبل أفضل. نسبة الفقر في رويشد 65 %، ما جعل 410 أسر من أسرها البالغة 806 أسر تعيش على مدفوعات صندوق المعونة الوطني. وأكثر من مائة أسرة، تشكل نحو 15 % من السكان، من دون كهرباء، ويشربون من برك جمعت من مياه الأمطار. وتزداد الهجرة من بلدات اللواء طلباً للعمل، بحيث أصبح نصف البلدات مهجوراً (جسر الرويشد وصالحية النعيم)، وبلدات هجرها أهلها بالكامل (الريشة الشرقية والريشة الغربية والرقبان).
بخبرة متواضعة، وتواصل متقطع، وعلاقة بحكم العمل والمواطنة، وقراءة للتحقيقات الصحافية، تعرفت على رويشد وأخواتها من القرى الأردنية في لواء رويشد وما حوله على امتداد ما يعرف زراعياً بأراضي المراعي أو الأراضي الهامشية، أو حتى الصحراء الأردنية. ومثلها مراع وأراض هامشية وصحراوية في البادية الوسطى وفي الجنوب على امتداد محافظة معان وما بعد معان، المحافظة التي لا أسميها إلا محافظة معان الأبية منذ أن أهدت الأردن مع شقيقتها الكرك ميثاقه الوطني وانتخاباته النزيهة العام 1989.
لست وحدي المسكون بطموح تنمية البادية والمراعي الأردنية. سبقني غيري فيما أعلم إلى ذلك، وقد يكون سبقني غيري فيما لا أعلم إلى الدعوة إلى تأسيس سلطة وطنية لتنميتها على غرار تجربة سلطة وادي الأردن. كتبت في ذلك مرتين، وحاولت عرض الفكرة ودفعها للتنفيذ وأنا في موقع المسؤولية مع زملاء لي، ولكن الفكرة لم تلق القبول ربما لأن بعض القائمين على المشاريع التي تعمل في البادية رأوا في ذلك تأثيراً على مشاريعهم.
في غياب خطط جادة، تقف من خلفها إرادة سياسية وتنموية جازمة، ظلت قرى البادية الأردنية تتراجع بدل أن تتقدم، ويتوطن الفقر بين أهلها، وتتصحر أراضيها، وتذهب مياه أوديتها بلا حصاد. بينما يمكن للصورة أن تأخذ وجهة معاكسة لو أن جهداً جاداً قد أخذ طريقه لحصاد المياه وإنشاء المحميات الرعوية وخدمة الثروة الحيوانية، فذلك كان سيتكفل بإحداث تنمية اقتصادية واجتماعية توفر لأبناء البادية حياة كريمة تبقيهم على صمودهم وثباتهم في مجتمعاتهم المحلية، وتزود باقي مناطق المملكة بالأعلاف اللازمة لتنمية ثروتنا الحيوانية.
أهلنا في البادية على امتداد الوطن في شماله ووسطه وجنوبه يستحقون التفاتة رسمية أكثر جدية، تقدم لهم خدمات مناسبة، وفرص عمل، وتنمية يحتاجونها لمجتمعاتهم المحلية ومواردها وفي مقدمتها الموارد البشرية بما يسهم في تثبيتهم في مجتمعاتهم ومنع هجرتهم إلى المدن بحثاً عن العمل، وبما يؤدي إلى تكامل التنمية الزراعية والاقتصادية مع باقي مناطق وقطاعات الوطن. فالبادية تملك من المراعي ما إذا حصدت لها المياه تكفي لثروة حيوانية تنهض بأهلها وتوفر أعلافاً خضراء بعشرات الملايين لمربي الماشية في البادية وخارجها.
للنهوض بالبادية تنموياً لا بديل عن إنشاء سلطة لتنمية البادية على غرار تجربة سلطة وادي الأردن، تتولى النظر في تحديد الأراضي وتسويتها وبيان ملكياتها وحل مسألة الواجهات العشائرية، والكشف عن إمكانات الأراضي الزراعية والرعوية، ورسم لخرائط الأودية ومسايل المياه، ليكون ذلك أرضية تنشأ عليها المحميات الرعوية، وتوضع في ضوئها خطة واسعة للحصاد المائي إن كان بجمع المياه أو نشرها باتجاه الخطوط الكونتورية. كل ذلك في إطار إداري يقوم على أساس تشاركي يسهم فيه أبناء البادية بدورهم عبر جمعياتهم الأهلية التي يؤسسونها لأنفسهم.

التعليق