منار الرشواني

الإصلاح: من الشارع إلى السياسة

تم نشره في السبت 16 نيسان / أبريل 2011. 03:00 صباحاً

تُرى كم كان يتوجب على الشعوب العربية الانتظار لرؤية تغيير أو إصلاح في بلدانها لو تُرك الأمر للمعارضة "التقليدية المزمنة"، من أحزاب وقوى سياسية على اختلاف ألوانها؟ ربما تنتظر عقودا أخرى أكثر من تلك التي أتقنت فيها تلك المعارضة "دورها"، مقررة خلالها أجندة ظهر جلياً مع تفجر الثورات العربية أنها لا تعبر عن رأي تلك الشعوب أو أولوياتها على أقل تقدير. فالمعركة التي لا يعلو صوت على صوتها لم تكن مع "الكيان الصهيوني" و"الإمبريالية العالمية" و"الاحتلال الأميركي للعراق" بل وحتى "للشقيقة أفغانستان!"، كما كرر المعارضون التقليديون ولأجلها دبجوا الخطابات وعبؤوا أنصارهم وتظاهروا. معركة الشعوب العربية كانت دوماً، وكما نعرف اليوم تماماً، معركة تحرر إنما من الفقر والجوع والاستبداد الوطني قبل الأجنبي.
وهكذا، فالحراك العربي الشعبي العفوي وحده هو ما وضع أساس عملية تغيير وإصلاح في العالم العربي، موجه إلى ما يحتاجه المواطن فعلاً، وتلك مرحلة أولى. لكن إذا كانت الجماهير هي الأصدق والأجرأ في التعبير عن مطالبها، فإن السؤال الأهم والأخطر المطروح في المرحلة الثانية التي لا تقل أهمية عن سابقتها، هو: هل يمكن الاستمرار في تسليم القيادة للشارع والجماهير في مرحلة تنفيذ برامج التغيير والإصلاح، وجعلها حقيقة؟ حتماً لا.
إذ ثمة فجوة شاسعة جداً بين المطالب الشعبية التي ترتقي، وبشكل طبيعي ومبرر، إلى حد عدم قبول ما هو أقل من العدالة المطلقة، وبين الممكن على الأرض ولو مرحلياً، بالنظر إلى الموارد المتاحة. وحتى إذا بدا ممكناً في الدول الغنية مالياً التعاطي مع إشكالية الموارد المادية، فتظل الإشكالية الأخطر متمثلة بالموارد المعنوية لناحية عدالة توزيعها. وأمام هذا الوضع، يغدو الاستمرار في تولية الجماهير زمام القيادة مرادفاً لغياب السياسة بكل ما يحمله هذا الغياب من مضامين، ليس أقلها الدخول في حالة فوضى تجعل من تكلفة أي إصلاح أكثر من باهظة.
بعد إقرار مبدأ التغيير أو الإصلاح، يحين أوان السياسة، من حيث هي حوار وتسويات وتنازلات متبادلة لأجل الوطن والشعب، تنمية واستقراراً. وحين يتأخر حضور السياسة في البلدان التي وضعت أساس الإصلاح والتغيير فيها، فإن ذلك سببه واحد من اثنين. الأول، تآكل تأثير القوى السياسية التقليدية على الجماهير، بحكم فقدان الثقة أساساً، فلا تقتنع هذه الجماهير إلا بأخذ حقها بيدها كي لا تتعرض لخيانة جديدة. أما السبب الثاني، فهو اختباء تلك القوى السياسية خلف الجماهير بسبب عجزها عن تقديم رؤيتها لمرحلة الإصلاح والتغيير كما فرضتها الشعوب، بعيداً عن أوهام المعارضين التقليديين وأمانيهم أو لربما أجنداتهم!
لذلك، فإن الخشية الآن من أن يغدو اللجوء إلى الشارع باسم الإصلاح ولأجله، السبب الأول والرئيس في الإجهاز على الإصلاح ذاته أو تعطيله في أحسن الظروف.

التعليق