الفساد آفة الشعوب العربية

تم نشره في الخميس 14 نيسان / أبريل 2011. 02:00 صباحاً

هتافات شباب الثورات العربية في شوارع وأزقة المدن العربية، ممن يصنعون مستقبلهم بأيديهم ضد الفساد ومطالبهم بالتغيير، دلالة على أن مسألة استغلال أصحاب السلطة نفوذهم في جمع الثروات من المال العام كانت مؤثرة في بؤس المجتمعات المقهورة، وفي مقدمة مسببات إشعال فتيل غضب الشارع الذي فجر الزلزال العربي.
ونرى بأم أعيننا كيف تزامنت السنوات الاخيرة التي يزداد فيها تعسف السلطات بالفترة الذهبية التي وصل الفساد فيها لأوجه في كثير من دول الجوار، التي يعصف بها الحراك الشعبي المنادي بالحريات والديمقراطية.
وبالرغم من خصوصيات كل بلد على حدة من الأنظمة والجمهوريات الفاقدة للشرعية، فقد تشابهت القواسم المشتركة لدول غنية بمواردها وطاقاتها البشرية مقابل تنمية منقوصة وفقر وبطالة وجزر ثراء فاحش للقلة المستفردة بالسلطة، والتي يتسع استئثارها يوما بعد يوم بموارد الأوطان ووضع اليد على المؤسسات التي ترفد الخزينة العامة وتحويلها لمنفعة أفراد وتحكي قصة الفساد الذي استشرى.
وبالطبع، فإن الإقصاء والتهميش في غياب الحريات أسهما في استحواذ متنفذي السلطة على الأموال التي بددت موارد الدولة وتفسر ضعف وتآكل البنية التحتية ونقص الخدمات الاساسية في قرى ومدن وأرياف دول يفترض أن تتمتع بكل مقومات الازدهار لأن بعضها من جهة يسبح فوق بحيرات من الاحتياطيات الضخمة للنفط، وفي حالات أخرى تتمتع دول بتنوع زراعي وصناعي وسياحي فريد، يفسر تراكض العالم الغربي بأسره نحوها وسيل لعابه من تلك الثروات الكامنة فيها.
والفساد الذي طال شتى أوجه الحياة في عالمنا العربي كان سببا في تراجع مؤشرات التنمية الاقتصادية والعجز عن الارتقاء بمستوى الشعوب، في وقت بقت فيه مدن العشش ونقص شبكات الصرف الصحي وضعف التعليم وقلة المستشفيات وانتشار الأحياء الفقيرة على أمتار من قلب عواصم تعج بناطحات السحاب والقصور. وفي وقت كان يتوجب أن ينعم فيه مواطنو تلك الدول بأفضل معدلات مستوى المعيشة في العالم، فإن صور الأطفال الحفاة وأحياء الزينكو وسكان القبور والمعتاشين على فضلات القمامة مشاهد تحكي عن حالها.
إن الاستبداد السياسي عموما في المنطقة وراء استفحال الفساد الذي هدر مخصصات الموازنات الحكومية لتعميق الإقصاء والتهميش وشحن مشاعر الغبن، وتسبب في استباحة الأوطان لرجال السلطة الذين زجوا أنفسهم في التجارة ووضعوا أيديهم على مفاصل الثروة والاتاوات، أو صاهروا أصحاب المال الفاسدين بدلا من التشييد والعمران لبناء شبكات سكك النقل الحديثة والمستشفيات والمدارس ومراكز التعليم المتطور.
ولا عجب أن الفساد الذي استشرى في دول عدة على مدى عقود جمع الأموال الطائلة التي تراكمت اليوم، في حسابات أركان النظام المصري والتونسي السابقين، والتي تبقى اليوم مسألة استعادتها وحصرها من أهم الإنجازات غير المكتملة لتلك الثورات الشبابية لتسير نحو غايات بناء المجتمع المدني الديمقراطي.
ونجاح مرحلة التحول والمخاض نحو مجتمعات الحرية والديمقراطية يجيء بهدم أركان الفساد الذي صار مؤسسيا في تلك الدول، حيث يبدأ من فوق ويصل إلى القاعدة في واقع مخيف أفسد أيضا المجتمعات وكان سببا في القضاء على أجيال بأكملها حرمت من الفرص الاقتصادية العادلة في مجتمع تكافؤ الفرص.
والفساد الذي تمدد وقف حائلا أمام تطور مجتمعاتنا العربية ونقلها لمصاف دول أجنبية لم تكن أكثر ثراء في مواردها الطبيعة والبشرية ولكن توفر مناخ الحريات أتاح بروز المؤسسات المدنية الفاعلة التي تملك الشرعية، والتي حمت مقدرات وثروات الأوطان ووجهتها نحو تنمية وازدهار مجتمعي تفخر به.

التعليق