منار الرشواني

الثورات العربية: فرصة إسرائيل للسلام؟

تم نشره في السبت 9 نيسان / أبريل 2011. 02:00 صباحاً

من جانب واحد ربما تبدو إسرائيل مرتاحة للثورات العربية، رغم أن إحداها أطاحت بأهم حلفائها في المنطقة. فبحسب الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي عاموس يدلين، في محاضرة بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى قبل أيام، تتمثل أهم دلالات هذه الثورات ومضامينها في تنامي "الإدراك في الشارع العربي بأن إسرائيل ليست المشكلة الأساسية في الشرق الأوسط. وفي حين يواجه العالم العربي مشاكله الخاصة به، بدأ يرى أن العلل الإقليمية لن تتوارى عن الأنظار ببساطة، إذا ما تم فقط حل القضايا بين الإسرائيليين والفلسطينيين".
وهكذا، ولأن "إسرائيل ليست المشكلة الأساسية في الشرق الأوسط" من وجهة نظر الشعوب العربية، يبدو ممكناً تماماً فهم "اقتناص الفرصة" من قبل حكومة نتنياهو-ليبرمان، إضافة إلى إيهود باراك، لمزيد من التصعيد الاستيطاني، ضمن أمور أخرى، في الضفة الغربية والقدس. الأمر الذي لا يعني سوى شيء واحد هو الإجهاز على أي مشروع للدولة الفلسطينية التي هي جوهر أي سلام حقيقي شامل يضع حداً للصراع العربي-الإسرائيلي ككل.
لكن إذا كان هذا هو تفسير الحكومة الإسرائيلية لمضمون الثورات العربية، التغييرية والإصلاحية على السواء، فلماذا تفشل هذه الحكومة في إقناع بعض من أهم سياسييها وعسكرييها، قبل غيرهم، بهذا التفسير؟ إذ على العكس من ذلك، تبادر مجموعة من هؤلاء السياسيين والعسكريين، بينهم داني ياتوم الرئيس السابق لجهاز الموساد، وياكوف بيري الرئيس السابق لجهاز شين بيت، إلى إطلاق "مبادرة السلام الإسرائيلية" التي تدعو إلى إقامة دولة فلسطينية على ما يقرب من كامل الضفة الغربية وقطاع غزة، تكون عاصمتها جزء كبير من القدس الشرقية، إضافة إلى انسحاب إسرائيل من مرتفعات الجولان.
لعل الإسرائيليين المبادرين إلى السلام الشامل اليوم يدركون فعلاً حقيقة مضمون الثورات العربية لناحية علاقته بالصراع العربي-الإسرائيلي، وفي القلب منه القضية الفلسطينية. إذ ثمة بون شاسع، وشاسع جداً بين "وهم" الاعتقاد بتراجع القضية الفلسطينية والصراع العربي-الإسرائيلي عموماً لدى الشعوب المطالبة بالحياة الإنسانية في أوطانها، وبين "حقيقة" إدراك هذه الشعوب أن الحرية والإنسانية في الوطن هي التي تفضي إلى تحرير الأرض والانتصار على كل عدو، نقيضاً للاستبداد باسم مواجهة الصهيونية والإمبريالية، والذي لم تجن منه هذه الشعوب سوى الهزائم والموت والتخلف. بعبارة أخرى، هو وعي بمتوالية الحرية الصحيحة، من خلال تحديد ما هو سبب (الاستبداد) وما هو نتيجة (الاحتلال الإسرائيلي). لكن هل فعلاً لا يدرك ثنائي نتنياهو-ليبرمان هذه الحقيقة المنطقية السابقة؟
ربما تكون الحكومة الإسرائيلية أكثر إدراكاً من سواها للواقع العربي القادم الذي يتطلب سلام شعوب تقول فيه كلمتها وتفرض رأيها بدلاً من سلام (وهدنة) رسمي يفرض فرضاً على تلك الشعوب. وبسبب ذلك، وليس العكس، تستعد إسرائيل للاستحقاق القادم بمقامرة توسيع الاستيطان في الأراضي المحتلة، فلا يكون ممكناً أبداً مطالبتها بأي تنازل يسمح بإقامة الدولة الفلسطينية وصولاً إلى تسوية شاملة.
وهكذا، فإنه على المدى القصير، فإن من حسن حظ إسرائيل وسوء حظ الفلسطينيين وجود حكومة نتنياهو-ليبرمان التي تسيء فهم اللحظة التاريخية فتتمادى في عدوانها عوضاً عن اقتناص هذه اللحظة لتحقيق سلام حقيقي شامل. لكن المقامرة-المغامرة الإسرائيلية هذه هي ما يجعل حكومة نتنياهو-ليبرمان ذاتها أكبر لعنة على إسرائيل، لا استقراراً بل وحتى وجودا على المدى الطويل!
من وجهة نظر مثالية حالمة، كان بمقدور إسرائيل أن تكون جزءاً من المستقبل العربي-الشرق أوسطي الجديد، والذي يعني الحرية والازدهار للجميع، محلياً وإقليمياً، لكن في العالم الحقيقي تصر إسرائيل أن تبقى ببساطة.. ذات إسرائيل!

التعليق