الإصلاح السياسي والاستقرار الإقليمي

تم نشره في الجمعة 8 نيسان / أبريل 2011. 03:00 صباحاً

جدلية العلاقة بين الاستقرار والأمن من جهة والإصلاح والديمقراطية من جهة أخرى حاضرة بقوة في قراءة وتحليل ما يجري في الإقليم. والخوف من أن يؤدي الانفتاح السياسي إلى خلق بيئة حاضنة للااستقرار أمر لا يمكن استبعاده، خاصة في إقليم منهار كالشرق الأوسط الذي لا يقوى للآن على التعامل مع مشاكله بصورة ذاتية، ما دعا ويدعو القوى الدولية إلى التدخل باستمرار من أجل خلق توازنات سياسية ترسخ درجة من الاستقرار الإقليمي. الإقليم يفتقد لأدوات ومؤسسات ذاتية للتعامل مع تحديات الأمن والاستقرار، وهو يعيش حالة من اللاثقة السياسية المتبادلة وفقدان درجة ملموسة من الاعتماد السياسي أو الاقتصادي المتبادل، الأمر الذي جعل هاجس الحفاظ على الأمن عميقا ومتغولا على الإصلاح بكافة أنواعه.
إدراك هذه الجدلية أمر مفصلي لكي يتمخض حراك الإصلاح الإقليمي الدائر حاليا عن نهايات بناءة، تصلح المجتمعات سياسيا وتحافظ بذات الوقت على أمنها واستقرارها. ومن أهم ما يجب الانتباه إليه في هذه المرحلة هو أن لا يتم استغلال تداعيات الإصلاح الوطنية للدول من قبل قوى إقليمية لبسط نفوذها السياسي واختراق مجتمعات تلك الدول، أي أن لا نكرر مشهد الانفتاح اللبناني الذي وإن كان قد صبغ هذا البلد بدرجة من الديمقراطية، إلا أنه جعله أيضا ساحة تصفية حسابات سياسية إقليمية، واستباح مشهده الوطني وجعله غير مستقر. ونرى إرهاصات من تدخلات إقليمية مشابهة في حراك الإصلاح البحريني، وربما اليمني ولكن بدرجة أقل. فسعي بعض من أقليات الدول العربية لمزيد من الحرية تم استغلاله، ولذلك فهي باتت معنية وصاحبة مصلحة بأن تجعل مطالبها الإصلاحية وطنية بحتة، وأن تنتفض هي قبل غيرها للوقوف بوجه أي محاولة لتدويل أزمة حقوقها السياسية أو أن يتم امتطاء ذلك من قبل مصالح خارجة عن سياق أهداف هذه الأقليات.
مهم أيضا الانتباه للفوضى واللاأمن، سواء أتى على شكل تعطيل الحياة العامة أو سيادة حالة من العصيان المدني الذي يعطل مصالح الناس وأحوالهم. والأسوأ من كلتا الحالتين أن تنتج عن الاصلاح حالة من الانقسام الاجتماعي والإثني، لأن ذلك ستنتج عنه موجات من الهجرة القسرية من اللاجئين الهاربين إلى دول مجاورة، والتي ستضطر لمواجهة ذلك سياسيا واقتصاديا وأمنيا، وفي أحيان ستكون الدول العربية والمجتمع الدولي مضطرة وملزمة إنسانيا وأخلاقيا وسياسيا إلى التدخل لمنع حدوث مذابح. كل هذا ممكن ويحدث في الشرق الأوسط، ويجب أن يكون حاضرا على طاولة القرار التي تراقب الإقليم وتحاول التنبؤ بتداعياته.
مشروع سياسيا، وهي حقيقة تاريخية، أن يتقدم الاستقرار على الإصلاح، خاصة السياسي منه، ولكننا في الشرق الأوسط أخذنا هذه النقاشات والممارسات إلى مستويات أعلى، حيث إننا استخدمنا ولوّحنا باللااستقرار لكي ننقض على الإصلاح، ولم نلتزم بالمعادلة الأصل وهي أن الحرية اللامسؤولة هي فقط ما يجب أن يحارب تحصينا للاستقرار. الإصلاح المنشود والعبقري هو الذي سيراعي توازنات الأمن والاستقرار، فإن لم يفعل فسيخسر ويخسر الإقليم فرصة تاريخية ذهبية لدخول عصر الديمقراطية الذي دخله جل العالم قبلنا.

التعليق