هاني البدري

مجزرة المدارس الخاصة

تم نشره في الاثنين 4 نيسان / أبريل 2011. 03:00 صباحاً

ألقت "المِس" مديرةُ المدرسة خطبةً عصماء، استنجدت خلالها بكل ما تعلمت من فنون الإلقاء خلال عملها مُدَرِّسَةًً في إحدى المدارس الحكومية، قبل أن يبدأ عهد الاستثمار في التعليم، فيُفتحُ عهدٌ جديدٌ لها، مديرةً لمدرسة خاصة في عمّان.
لم تألُ السيدة التربوية "شديدة" الاعتناء بالمظهر والطلة.. جهداً، ولم تَعدَم حيلة لإقناع هذا الجمع من أولياء الأُمور بأن الرسوم التي يدفعونها مطلع كل عام دراسي بزيادة "ضئيلة" ما هي إلا لتطوير أساليب التعليم والمختبرات والرحلات والأُغنيات والمِسات.. "وإلا فكيف نضمنُ منتجاً تربوياً جيداً؟!".
منتجاً؟!.. للحظة ظنَّ أحد الحضور أنه يستمع لمدير خط إنتاج في مصنعٍ للألبان، فيما السيدة الفاضلة تتحدث عن المُنتج المتميز والخميرة الطيبة التي تزرعها المدرسة، ودور التعليم الخاص في دعم الاقتصاد الوطني وتصدير الطاقات.. بقي التعليب لم تقترب منه!
عادت المديرة في خطابها الرشيق وبأداء تمثيلي (لم يفهم أحد السبب بعد) لتتحدث عن مُسَوِّغات رفع الرسوم المدرسية لهذا العام بنسب تتراوح بين ثلاثين وأربعين في المائة "لتطوير العملية التربوية وخدمة لأبنائهم".
لم ينبس حاضر ببنت شفة، وذهبت الأصوات والنداءات والمطالبات التي بدأها الأهالي في بداية الاجتماع أدراج الرياح، بل لعلهم صدّقوا خطاب المديرة التي استجمعت كلَّ قواها ومعرفتها لتلقيه على هؤلاء المجتمعين لتقنعهم بعدم مشروعية مطالبهم.
ثم يبدو أن "المِس" متأثرةٌ مثل غيرها بخطابات الزعماء العرب ومفرداتهم الفريدة في مواجهة الاحتجاجات والمظاهرات في بلدانهم؛ فقد أعادت على أسماع الآباء والأُمهات (الفاغرين أفواههم) المذهولين بهذا الصلف التربوي النادر، كل عبارات التسويف والوعود الكاذبة. وتحدثت هي أيضاً عن أجندات خارجية من مدارس صغيرة أُخرى تسعى لأن تكبر.. تحدثت عن بلطجية في المشهد، ذكرت سيرتها التربوية "العطرة" قبل أن تأتي إلى "تعب القلب" هذا، وكيف أنها أفنت زهرة شبابها لِتُخَرِّج الأجيال.
تحدثت عن الغوغاء وعن المطالب "المعقولة" للأهالي، لكنها سرعان ما قررت أنَّ تحقيقَ المطالب تلك غيرُ ممكن في الوقت الراهن، نظراً لإمكانات المدرسة، ومتطلبات صيانة "الجيم"، وتغيير زيوت الباصات، وإعادة التعاقد على "اليونيفورم" الجديد ليواكب روح الموضة للعام المقبل.
أنهت المديرة خطابها هنا، والتزم أولياء الأمور الصمت وكأن على رؤوسهم الطير.
همّت "المِس" بمغادرة القاعة، فأدارت ظهرها للحضور مبديةً غضباً مفتعلاً. سَرَتْ في عروقها نشوة، وعند استدارتها قفزت ابتسامة عملت على كبتها سريعاً، فيما مديرة مكتبها تلملم الأوراق المبعثرة التي استخدمتها خلال الاجتماع لعرض إمكانات المدرسة الضئيلة لأولياء الأمور، مؤكدة أن المدرسة بحاجة لمساعدتهم على جمع التبرعات العام المقبل؛ قالتها بالإنجليزية "fund raising". سعدت المديرة بقدرتها الخارقة على تكميم الأفواه وإسكات الأهالي وإنقاذ المدرسة من أصوات هؤلاء. وقبل أن تغادر إلى منزلها ظهر أمس، وَقَعَت على بيانات الميزانية السنوية للمدرسة برفقة "صاحب" المدرسة، البيانات أظهرت أرباحاً صافية بلغت مليونين ونصف المليون دينار.
انتهى المشهد المُستَنِد إلى قصة واقعية، كما يقال في السينما. لكن الواقع كان دائماً أبشع من خيال السينما، وما تشهده المدارس الخاصة في الأردن ما هو إلا مشهدٌ مُرَوِّع، يَذبحُ فيه تُجارُ المدارس ومديراتها الآباء بدمٍٍ بارد على مقصلة "مستقبل الأبناء".
وأسألكم: أي مستقبل هذا الذي نَضمنُهُ لأبنائنا وهم يتخرجون في رحم مدارس تتعامل مع النشء كمنتج استثماري أساسه الربح فقط، ثم تأتي العملية التربوية إن أتت؟! وأي مستقبل هذا الذي نرسمه لأبنائنا وهم يتعلمون على يد مديرة تقول للآباء صراحة وأمام أبنائهم "هذا اللي اجاكو" و"من لا يقدر على دفع الرسوم الدراسية بزياداتها فليأخذ ابنه إلى مدرسة حكومية".
ما يحدث في المدارس الخاصة على مرأى ومسمع وزير التربية والتعليم، ومن دون أي تدخل من دائرة التعليم الخاص، هو بكل المعايير مجزرة بحق الأسر، وفي هذا الوقت بالذات الذي تمشي فيه البلد كلها على خيط مشدود.
وحيث الدعوات إلى المراقبة والالتزام بتسعيرة المواد الغذائية، مثلاً، على أشدها، أمِنَ المعقول أن تراقب الحكومة تسعيرة البندورة والجرجير وتَغُض البصر عن "تسعيرة الطلبة" على حد تعبير مديرة المدرسة تلك؟!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »Great hmeamr of Thor, that is powerfully helpful! (Lisa)

    الثلاثاء 5 تموز / يوليو 2011.
    Great hmeamr of Thor, that is powerfully helpful!