غياب الحكمة والمبادرة

تم نشره في السبت 26 آذار / مارس 2011. 03:00 صباحاً

لعل أهم ما عبرت عنه أحداث الجمعة المؤسفة في دوار الداخلية هو غياب الحكمة والحنكة في التعامل مع اعتصام سلمي يشارك فيه شباب لا علاقة لهم بمن يحاول استثمار نشاطهم لخدمة أجندة حزبية وسياسية كان يمكن كشفها والتصدي لها من دون دم أو عصي أو حجارة.

استبشرنا خيراً في البداية، حين رأينا رجال الأمن يوزعون العصير والماء البارد على المشاركين في هذا الاعتصام السلمي، لكننا ما لبثنا أن وضعنا أيدينا على قلوبنا حين رأينا غض الطرف عن مجموعات منفعلة تتحرش بالاعتصام وتسيء الى المعتصمين بالقول والفعل، وكانت هناك هتافات يندى لها الجبين تمس أعراض الناس وتشكك في ولائهم الوطني.

كنا نأمل وندعو ونصلي لأن نستطيع بوعينا الجمعي، معتصمين ورجال أمن، أن نصل إلى نهاية سلمية وهادئة لهذا الاعتصام. وكنا نتوجس من محاولات التحرش التي لم تتوقف لحظة واحدة خلال الساعات المتوترة التي سبقت الاشتباك. وقد حدث ما نخشاه، ونأمل وندعو ونصلي الآن لأن نستطيع، بوعينا الجمعي، تجاوز الآثار السيئة والمسيئة لهذا الحدث المأساوي الذي أساء إلى صورتنا أمام أنفسنا وفي محيطنا العربي وفي العالم.

لم يكن ما جرى منطقياً أو مقبولاً، مثلما لم يكن منطقياً أو مقبولاً استنكاف قيادات وتعبيرات حزبية، إسلامية على وجه التحديد، عن بذل جهد ضروري للتهدئة، وتأكيد الحرص على أمننا واستقرارنا وحمايتنا من عنف أوقع فينا ضرراً نفسياً أخطر من الرضوض والجروح التي تندمل مع مرور الوقت.

تابعنا منذ بداية الشدّ العصبي ليلة الخميس محاولات رجال في الدولة طلب العون من قيادات إسلامية لها حضورها في أوساط المعتصمين، وفوجئنا حدّ الفجيعة حين جاء الرد مخيباً ليس لآمال المسؤولين فحسب، ولكن لأملنا ورجائنا بسيادة العقل وتجلي الحكمة التي افتقدناها في ظلمة العنف والانفعال والحناجر الملتهبة والأيدي التي تحولت الى قاذفات حجارة في واحد من أهم ميادين العاصمة التي نعشق ترابها ونزهو بأمننا فيها.

نعم، لقد تجاوز العنف حدود المعقول، وكان ينبغي لجمه، وقد تجاوزت الرغبة بالاستثمار السياسي حدود المقبول، وكان ينبغي أن تتقدم مصلحة الأردن على مصلحة "الجماعة" في لحظة مشتعلة بالغضب وفورة الدم.

بعد يومين فقط من إقرار مجلس النواب قانون الاجتماعات العامة فشلت الحكومة في اختبار الصبر والحكمة، وفشلت "الجماعة" في اختبار الأولويات الوطنية.

وإذا كانت الأحداث المأساوية قد كشفت شيئاً فإنها أظهرت كم نحن بحاجة إلى عقل مركزي في موقع القرار الحكومي.. عقل ينظر بأفق منفتح على حركة الشارع، ويراها رافعة للنهوض بدلاً من اعتبارها تشويشاً على التفكير التقليدي الذي تحبه الحكومات ويعيدنا الى الوراء.

وقد أظهرت الأحداث المأساوية أيضاً أننا بحاجة إلى إعادة تقييم رؤيتنا لمن يزايدون علينا صبحاً ومساءً بحب الوطن.

alrased@alghad.jo

التعليق