منار الرشواني

حتى تكتمل الثورة

تم نشره في السبت 26 آذار / مارس 2011. 02:00 صباحاً

قد يبدو صادماً، حتى للعرب أنفسهم وهم "يكتشفون!" اليوم إنسانيتهم المفقودة، أن يستمر حاكم مثل العقيد معمر القذافي مطبقاً على مصير بلد وشعب مدة اثنتين وأربعين سنة رغم ثبوت زيف شرعيته "الثورية" منذ أمد بعيد. ويفترض أن تكون الصدمة أكبر وأعمق مع "اكتشاف!" أن العقيد الذي كان إنجازه الوحيد ربما جعل ليبيا "بلداً غنياً بشعب فقير"، لم يكن استثناء عربياً أبداً، بل هو الأصل والقاعدة في أغلب الحالات. فعلى سبيل المثال لا الحصر، ألم يقد الرئيس السابق حسني مبارك مصر على امتداد ثلاثين سنة إلى الإفقار داخلياً وضياع النفوذ والمكانة خارجياً؟!

ورغم طول القائمة، وتعدد ألوان الأنظمة فيها، فقد كان مغرياً، في كثير من الأحيان، تفسير طول بقاء الزعماء الخالدين بـ"لا إنجازهم" باعتباره، أساساً، نتيجة منطقية لدعم خارجي، غربي أميركي خصوصاً، لا حول للشعوب ولا قوة حياله. لكن مع الثورة المصرية خصوصاً، إذ أطاحت بأهم حلفاء الغرب والولايات المتحدة بقرار شعبي خالص، فقد بات لزاماً مواجهة السر المعلن عن السبب الحقيقي لمعاناة بدت، حتى أيام قليلة مضت، أبدية لا خلاص منها، لا في مصر وحدها بل في بلدان عربية عديدة.

فاستمرار الأنظمة الاستبدادية الفاسدة عقوداً طويلة لم يكن ممكناً لولا الدعم الأهم والأثمن –ومصدر كل الشرور- الذي كان مصدره قوى المعارضة التقليدية ذاتها، من خلال فشلها بشكل متواز مع عقود الاستبداد تلك في جسر فجوة الثقة بينها لأسباب عديدة، ليس أقلها هوية الدولة القادمة وما يستتبعه ذلك من تعريف مفهوم المواطنة فيها، ناهيك عن أولوياتها التي تستجيب للتطلعات الفعلية، لا المفترضة، للأغلبية التي دأبت تلك المعارضة على التحدث باسمها والقول بتمثيلها.

ومع استمرار انعدام الثقة، بل وتعمقها حداً وصل إلى ما يمكن اعتباره "حرباً باردة" تخوضها تلك القوى ضد بعضها بعضاً، وحتماً لمصلحة الأنظمة الحاكمة، فقد كانت النتيجة بالضرورة غياب أي بديل توافقي حقيقي للأنظمة القائمة، يقنع المواطنين بالالتفاف حوله، وقبل ذلك يجرد تلك الأنظمة من سلاح الترهيب من القادم الذي لا بد وأن يكون "فتنة تدوم" بدلاً من استقرار مذل يصنعه "حاكم ظالم غشوم"!

وهكذا، فبتوافقهم على ما يريدون، وهم المعنيون فعلاً بالسياسة والاقتصاد والثقافة وغيرها في بلدهم، استطاع المواطنون العرب العاديون، وخلال أيام فقط، فرض تغيير وإصلاح عجز عنهما، لما يزيد على نصف قرن، المنظرّون والسياسيون من قادة المعارضة، إسلامية وقومية ويسارية وليبرالية وسواها! وهو توافق ما كان ليتحقق لولا ثقة ضمنت عدم التخلي والخيانة رغم تصاعد عدد الضحايا من تونس وحتى اليمن. ومن ثم، يغدو صحيحاً أنه إذا كان أولئك المواطنون قد هتفوا ويهتفون ضد أنظمة وحكومات، فإنهم جسدوا ويجسدون فعلياً نقيضاً لرؤى وأجندات وسلوكيات قوى معارضة تماثلت –إنما من دون لفت نظر- مع تلك الأنظمة والحكومات في تأميم حق المواطنين في التعبير عن آرائهم! إلى الآن، يبدو أنه مايزال لدى قوى المعارضة (السابقة والحالية) فرصة أخذ التحذير الشعبي الواضح على محمل الجد، والانسجام مع هموم الناس وتطلعاتهم الحقيقية، وإلا فإن الشعوب ستتجاوزها مرة وإلى الأبد، كما حدث تماماً مع الأحزاب التركية "التاريخية" التي ذابت منذ صعود حزب العدالة والتنمية وتبنيه قضايا الأتراك الحقيقية. لكن ألا يبدو هذا هو الخيار الأفضل، وأنه قد آن الأوان لاستكمال الربيع العربي بثورة تنجب أحزابا عربية جديدة، وشرعية برؤاها وبرامج عملها؟

manar.rachwani@alghad.jo

التعليق