نادر رنتيسي

هدنة حتى صلاة الجمعة!

تم نشره في الجمعة 25 آذار / مارس 2011. 03:00 صباحاً

الشوارعُ كانت قديما (على بُعد أربعة أشهر فقط من التاريخ القديم) منافذ إلى الغايات الضرورية: الوصولُ إلى العمل الصباحيِّ بالحدود المتواطأ عليها للتأخُّر (تقدَّرُ بساعتين في حالة وقوع حادث يتسبَّبُ بوفاة طارئة)، شراءُ الغذاء المكشوف عن العربات المتحرِّكة بأسعار تفضيلية آخر النهار، الذهابُ إلى موعد عاطفي مُخْلِص (إنْ كانَ الطرفُ الآخر يلتزمُ بدعوة واحدة في اليوم)!

كانَ تفضيلُ طريقٍ على آخر يَخْضَعُ إلى اعتبارات منخفضة القيمة؛ كاختيار طرق سيِّئة التعبيد للهروب من الأزمة المرورية، أو أخرى لا تقفُ على ناصيَتها دوريَّة لاقتناص المخالفات (التي لا تؤدِّي إلى الأذى بالضرورة)، وتدرُّ دخلا ماليا ثابتا (له غايات ليس منها إصلاح الشوراع)؛ المهمُّ أنَّ الطرقَ عموما كانت للمشي الخفيف بجانب "الأمر الواقع"!

واليوم الشوارع لها وظيفة محدَّدَة (حتى وإنْ بقِيَت وظائِفُها التقليديَّةُ التي لا تضْمَنُ سيْرَ الحياةِ باتجاهين).. مكانٌ رحِبٌ للناس يوقفون فيه حركة المرور (التي لم يصل خلالها سائق واحد إلى نهاية الطريق)، ويصبحُ الإسفلتُ طرياً، ومتفهِّماً للمكوث الطويل، والتعرُّف بشكل جديد على رجال يصرخون بصوت جريء، فيقولونَ ما لم يكن مصرَّحا به، (ولو بصوت هامس كالحبِّ المُحَرَّم) حتى للزوجات الكتومات..، قبل النوم!

يبدأُ الاحتجاجُ بتذمُّر خافِتٍ من قبل عددٍ محدودٍ من الناس (الذين يمتلكونَ دائما وجهة نظر)، يتشكلُ على نحو سريع فضولٌ لدى المارَّة والباعة المتجوِّلين، وعمَّالُ مياومة، و..و(الكثيرُ من النَّاس الذين لديهم وجهة نظر طارئة)، يصدرُ عنهم هتافٌ صغيرٌ، يَجهرُ بمطالبَ تكونُ بمتناول موظف كسول غادَرَ مجدَّدا بعد إذن المغادرة!

يتوافدُ آخرون بدوافع متعدِّدة (تجمعها رغبةٌ واحدةٌ بتشكيل وجهة نظر)، يكتظُّ الشارعُ تماما بالأصوات التي تغنِّي للحريَّةِ وأخواتِها من مفردات وَرَدَت في غناء مغنين بلحى رثة كئيبة (وقد يُمعنُ المغني في الموّال الممنوع؛ فالأغاني الآن تحديدا "لِسَّة" ممكنة)!

من المتوقَّعِ أنْ يُغلقَ الطريقُ بمسربيْهِ (ومسربُ الإيابِ بالذات يتحوَّلُ في تلك اللحظة إلى طريق غير نافذ) ويختلطُ الهتافُ بالصراخ (ومن الطبيعيِّ أنْ تصبحَ لوجهة النظر وجهات ليس من الضروريِّ أنْ تنظرَ من عين واحدة)، لكنَّ الجميعَ سيكونون على ثقة أنَّهم في جلوسهم الطويل على الطريق يُعطلونَ سيْرَ "الأمر الواقع"!

في كلِّ مكان الآن طرقٌ مغلقةٌ بالأصوات التي اهترأت حِبالها من الصمت الاضطراري (فالفضَّةُ التي هي كلامٌ، أكثر احتراما من الذهب الذي تحلى دائما بسكوته المريب)، وهذا من المؤكدِ أنْ يدفعَ المسؤول إلى النزول لمفاوضة الشارع، وهو إدراكٌ متأخر لتحديد هويَّة "مصدر السلطات"، الذي ظلَّ بلا ملامح محدَّدَة في نشرات الأخبار الرسمية!

تجري المفاوضاتُ في العلن (في ميدان التحرير أو شارع الحبيب بورقيبة أو ميدان التغيير) بلا جدوى؛ فكلُّ ما يملكه مندوب الشارع من هامش المناورة، لا يتعدَّى هدنة هشَّة حتى صلاة الجمعة!

واليوم جمعة؛ هذا يعني أنَّ المظاهرة ستنطلقُ بعد قليل من الشارع، والشوارع المجاورة، وسيدوِّي هتاف لا يعجبُ "عبد المأمور"..؛ قد ينتهي اليوم على خير لو أدركَ "عبد" أنَّ "المأمور" على خطأ وأنه ما كان ينبغي أن يضغط على الزناد (لأنَّ المتظاهرين تعلموا شيئا من أساسيات الفيزياء، ويُدركونَ جيِّدا أنّ لكلِّ فعل رد فعل مساويا له في المقدار، ومضادا له في الاتجاه)!

nader.rantisi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »وصف رائع (نرمين فوده)

    الجمعة 25 آذار / مارس 2011.
    اعجبني وصف الاحوال بالشارع و الاسقاط علي الشارع العربي بالوقت الحالي اري توظيف ممتاز للمكان و الزمان داخل المقال و الاسلوب جذاب
  • »لا يضيع حق وراءه طالب (مها عاشور)

    الجمعة 25 آذار / مارس 2011.
    الضعط يولد الانفجار، مهما طالت سنوات السكوت فلا بد أن تأتي جمعة الثورة هكذا أرادتها الشعوب العربية، بارع جدا نادر في تصوير ملابسات القضية
  • »هدنه حتى صلاة الجمعة (أسيل التميمي)

    الجمعة 25 آذار / مارس 2011.
    في كلِّ مكان الآن طرقٌ مغلقةٌ بالأصوات التي اهترأت حِبالها من الصمت الاضطراري!
    جمييييل !!
    قد تخسر الديمقراطية شرعيتها لشدة الصمت الذي ستواجهه !!
  • »شوارع التغيير (rima chehab)

    الجمعة 25 آذار / مارس 2011.
    صحيح نادر اصبحت الشوارع العربية اكثر اكتظاظا بالمواطنين هذا العام اتمنى ان لا تكون صحوة مؤقتة المهم ان تجلب نتيجة ايجابيةبالنهاية
  • »انتهى الصمت (رشا ابو دوش)

    الجمعة 25 آذار / مارس 2011.
    الصمت انتهى وتلاشى ولم يعد للشعب الا التعبير عن معاناتهم مقاله رائعه نادر اشكرك
  • »!!! (raja2)

    الجمعة 25 آذار / مارس 2011.
    (لأنَّ المتظاهرين تعلموا شيئا من أساسيات الفيزياء، ويُدركونَ جيِّدا أنّ لكلِّ فعل رد فعل مساويا له في المقدار، ومضادا له في الاتجاه)!
  • »( ..... ) (حنان الشيخ)

    الجمعة 25 آذار / مارس 2011.
    لا أستطيع بكل المفردات التي حفظتها و التي( أستحضرها أحيانا ) الا أن أستعين بمفردة (خطيرة جدا )يلجأ اليها بعض المعلقين , لأقول لك : رائع و نقطة !
  • »هدنة حتى صلاة الجمعة (نجوى شلبي)

    الجمعة 25 آذار / مارس 2011.
    جميل جدا" ما قدمت صديقي نادر..كلماتك اختصرت باسلوب ممتع وشفاف وجديد الحالة الراهنة..فعلا" في النهاية لكل فعل ردة فعل بحسب الآراء كلا" على حدة..حسب منظوره.وفهمه لما يجري..
  • »ما اروع كتابتك يا نادر (صديق قديم جدا)

    الجمعة 25 آذار / مارس 2011.
    ما اروع كتابتك يا نادر
  • »زحمة الطرق (ناديا رمال)

    الجمعة 25 آذار / مارس 2011.
    وكأن المواطن لا يكفي ما يعانيه سيناريو يومي لا تشفي غليلكلمعرفة اسباب ما يحدث ....لهذا الكم من الهدر للوقت ....تهرب باتجار الخلاص ولعنة الزحمه ليس بمقدورك الهروب منها ...كابوس في وضح النهار ...لا نهايه له ...مقال كتير رائع تحياتي الك
  • »يوم الجمعة (nesrin)

    الجمعة 25 آذار / مارس 2011.
    صرت احب يوم الجمعة وكل جمعة اصحى مستعدة لدوام من نوع تاني هو قدام التلفزيون حتى استنى مين دكتاتور جديد رح يغيب واي شعب جديد عم يظهر ويصحى
    شكرا الك استاذ نادر دايماً مصحينا على مواضيع مهمة
  • ».... و للفيزياء .. (ياسمين أبوفخر)

    الجمعة 25 آذار / مارس 2011.
    واليوم جمعة؛ هذا يعني أنَّ المظاهرة ستنطلقُ بعد قليل من الشارع، والشوارع المجاورة، وسيدوِّي هتاف لا يعجبُ "عبد المأمور"..؛ قد ينتهي اليوم على خير لو أدركَ "عبد" أنَّ "المأمور" على خطأ وأنه ما كان ينبغي أن يضغط على الزناد (لأنَّ المتظاهرين تعلموا شيئا من أساسيات الفيزياء، ويُدركونَ جيِّدا أنّ لكلِّ فعل رد فعل مساويا له في المقدار، ومضادا له في الاتجاه)!
  • »الأداء النظيف (Basima)

    الجمعة 25 آذار / مارس 2011.
    برأيي أن ما يحصل في عالمنا اليوم سببه عاملين مهمّين ، الأول : الشخص المناسب في المكان المناسب والثاني : إن الله يُحِب إذا عمِل احدكم عملاً أن يُتقِنه ، فلا من في المكان المناسب هو الشخص المناسب ، ولا من يقوم بعمله يؤدّيه بحق الله وكما وُظِّف له .. رحِم الله عهداً كان يُعافَب فيه السارق بقطع يده وخائن العهد بالإعدام (مهما اختلفت طرقه) شكراً يا نادر على تعرية ما نُعانيه في كل بلداننا العربية للأسف ، كنا خير أُمّة أُخرِجت للناس عندما كُنّا نتحلّى بمخافة الله التي كانت رأس الأمر ... دمت ودام قلمك ...
  • »أحلام طفوليه (حنان إ‘براهيم)

    الجمعة 25 آذار / مارس 2011.
    وماعادت الطرق مغلقه كما كانت فاليوم وماقبل اليوم يوم التونسيين والمصريين واللبين والاردنين والبحرنيين ماعادت لديهم طرق مغلقه من بعد اليوم بل أدت الى شريطها المعاكس فأفتحت أبوابها على مصرعيها وكأنه طفل مقيد ولم يرى نور الصباح منذ زمن فعندما فك قيده صرخ بأعلى صوته وأنطلق بكل حريه فأصبح كالوحش الهائج أراد الانتقام من كل من كان له يد فى حبسه واعتقال برائه طفولته وأحلامه فاليوم هذا الطفل البرئ لم يستهين بلحظه واحده للحريه بل سبستغلها وسيقول دائما انا حر انا انسان لا يستهان به وليس عبدا او ذليلا لكل من هم فوق
  • »بعد صلاة الجمعة (afaf saddik)

    الجمعة 25 آذار / مارس 2011.
    صرنا اسبوعيا بعد صلاة الجمعة ننتظر الحصيلة الاسبوعية لشعب قرر الوعي والوقوف ضد الحاكم الذي يعتقد ان شعبة لن يقف ويطالب ولا يفكر باعطائة بعض الحقوق الابعد مجازر مع انهم لا يطالبون الا بحقوقهم ويقومون يكل واجباتهم على اكمل وجة فهل من لا يبكي لا نطعمة او ننتظر حتى يموت لنقول كان معة حق
  • »لكل فعل رد فعل (Razan Hijjawy)

    الجمعة 25 آذار / مارس 2011.
    اجدت التعبير يا صديقي يانادر مبدع حقا:)
    دمت بخير
    بسم الله الرحمن الرحيم

    "انما نملي لهم ليزدادو اثما "
    صدق الله العظيم
  • »الواقع المر (العاصفة)

    الجمعة 25 آذار / مارس 2011.
    في ظل الأحداث التي تجتاح العالم من ثورات وانقلابات ربما إصلاحية وربما تدميرية, وفي احتراف الشعوب للغة الشارع....ماذا يسعنا أن نقول؟؟التغيير أمر مهم ..بالأقل أنه يقضي على الرتابة ولكن النتائج مؤلمة....ومن يطرق باب الحرية يعرف مسبقاً كم كفاً ستتضرج بالدماء وكم شهيداً سيروي عطش الأرض....ولكن...
  • »يارب احمي شبابنا (nada samrin)

    الجمعة 25 آذار / مارس 2011.
    مقال خطير جدا يناسب هذا اليوم الدامي في كل ارجاء الوطن العربي. اللهم احمي شبابنا الحالمين بالحرية من البطش
  • »####### (dania)

    الجمعة 25 آذار / مارس 2011.
    وحلمت اني شعب, والشوارع طلع الشباب البديع قلبوا خريفها ربيع وحققوا المعجزه وصحوا القتل من القتيل ولم يعد يؤلمنا سماع اغنيه ورده انا عندي بغبان
  • »تأخر (Nour)

    الجمعة 25 آذار / مارس 2011.
    مبارح كان شعور متضارب صراحة
    وانا عالقة بالشارع المغلق
    اني عم بسمع صوت...صوت مواطن

    واني متأخرة عن جامعتي

    بس بالنهاية فتحت شباك السيارة و سمعت الصوت بشكل اوضح
    و نسيت موضوع الجامعة

    ما عاد الصمت يسكن الشوارع
    بتأمل خير
  • »واقعي (محمد عابدين)

    الجمعة 25 آذار / مارس 2011.
    (لأنَّ المتظاهرين تعلموا شيئا من أساسيات الفيزياء، ويُدركونَ جيِّدا أنّ لكلِّ فعل رد فعل مساويا له في المقدار، ومضادا له في الاتجاه)!حصل امبارح بحذافيره
  • »الطريق (najwa)

    الجمعة 25 آذار / مارس 2011.
    الطريق هو طريق الحياة واساسها ويتحتم علينا استخدامه بوجهته الصحيحة كما تفرضها طبيعة الحياة . كما ان نستخدمه بالاتجاه الصحيح، فعندما الانسان يختلف مع المنطق تنقلب الموازين وتنعكس الأمور وتؤدي الى الواقع الذذي تتحدث عنه في مقالك
  • »الشارع يتنفس يكتب التاريخ ويقرر المصير (ridaa mostafa)

    الجمعة 25 آذار / مارس 2011.
    لم يعد للشارع العربي مسكون بالصمت بل غدا يصرخ بالصوت العالي زفيرا وشهيقا من الحقوق والحريات التي غادرته في سنوات عجاف من القمع وتقييد الحريات وانغماسه في الفقر والبطالة والارتفاع المسعور في الأسعار ليرسم خارطة غربته وتغريبه عن كل شيء حوله يربطه بثقافته وبحضارته وهويته .
    نعم هو اليوم يصنع أزمة مرورية وهذه لها جذورها وسوء البنية التحتية والتخطيط للقائمين على الأمر ...وليست وليدة هذا الحراك . لماذا ننزعج اليوم من صوت الشارع الذي عاد ليطربنا بنغماته المتعددة ليصنع حياة أخرى ... توقفت فترة طويلة ....
    غدا للشارع وظيفة جديدة ايضا في اعادة رسم خارطة الأوطان وغدا مصنعا للثورات وللقرارات والتأثير ... أصبح يتنفس ... ويصرخ ...يكتب التاريخ ويصوت ... ويقرر مصيره ..ويفاوض فلم يعد بساطا تطأه أقدام الناس بل هو الذي تطأطأ له أرؤس الطغيان .
  • »z (زينب الحاج)

    الجمعة 25 آذار / مارس 2011.
    للشوارع استخداماتها الاخرى كما ذكرت يا نادر ففيها المتسع لشم الهواء في ظل الازمة الشعورية..,,
  • »هدنة حتى صلاة الجمعة (آمنة الحلبي)

    الجمعة 25 آذار / مارس 2011.
    نادر
    هناك من أدمن لغة الصمت المقيت ...ولغة الغياب عن الواقع بعدما أصبحت (الفضة التي هي كلام... أكثر احتراما من الذهب)
    ومن تكلم بشئ لا يعنيه
    سمع ما لا يرضيه
    فيجب علينا ان نعصب أعيننا ونكمم أفواهناحتى لا (تعيها أذن واعية )
  • »! (ran)

    الجمعة 25 آذار / مارس 2011.
    أجدت أيها الكاتب المبدع في الحديث والتعبير ....
    وإنها لانتفاضة الاحرار وعصر الثورة المبارك
    شكرا لحرف التمس رعشة الفؤاد

    جمعة مباركة للجميع
  • »قدس يوم الرب!!!!!!! (ندى الرفاعي)

    الجمعة 25 آذار / مارس 2011.
    كنا نجتمع يوم الجمعة للصلاة والخطبة.... اصبحنا اليوم نجتمع في اليوم عينه لصلاة الثورة وخطبة التحرير، إلى الأمام يا عرب.