للمحبَطين فقط

تم نشره في الثلاثاء 22 آذار / مارس 2011. 02:00 صباحاً

رغم أن عديد البلاد العربية أفاقت من سباتها الشتوي الذي دام 40 عاماً، وهي تدخل الآن مرحلة جديدة تقوم على برامج الديمقراطية الشاملة، والدولة المدنية، والدساتير الديمقراطية الجديدة، والعدالة الاجتماعية، إلا أن الجملة التي لا يمكن إلا أن تسمعها في الأردن وفي عدد من الدول العربية الأخرى: "سقى الله أيام الزمن الجميل".

المحبَطون، وهم كثر، يرددون أن "الأردن قبل 30 عاماً كان أجمل، والمجتمع آمن وأكثر رخاء، وحياة الناس كانت أكثر دفئاً وحميمية، والبلاد في حالة تطور، والناس تحب بعضها..". كل هذا صحيح، وهذا أيضاً ينطبق على كل البلدان العربية، ولكن.. هل المشكلة في "الزمن الجميل" الذي ولّى بغير رجعة، أم فينا نحن، أم للدقة في بعضنا؟ من الذي يريد أن يمسك قرن الزمن ليعيده إلى الخلف وصولاً إلى الفردوس المفقود؟

حين تتردد في أيامنا عبارة الزمن الجميل، فإن المقصود بها هو الماضي الذي تسرّب منّا، ولم يعد منه سوى الذكريات والأطلال، فهل كان الماضي بالفعل جميلاً، ولم يكن فيه كل هذا الشقاء، وخالياً من الفقر والمرض والجهل؟ أم أنه امتاز بهذه القيمة لأنه مضى ولن يعود؟

الماضي مهما كان جميلاً فقد كان أشدّ قسوة على الإنسان من الحاضر، ومتوسط أعمار البشر بلغ ثلاثين عاماً فقط في بعض الأزمنة، إذ كان بمقدور فأر مريض أن يتسبب في وباء يدمر حضارة.

لاحظوا كيف يواجه العالم اليوم الأوبئة. ففيروس إنفلونزا الخنازير، على سبيل المثال، لو جاء في زمن آخر غير زماننا لفتك بشعوب الأرض مثلما كان يفعل الطاعون، لكن التقدم العلمي والإنساني هذه الأيام قادر على محاصرة كل الأوبئة، ويقود المجتمعات إلى التقدم والرقي.

حتى ذائقتنا الفنية اختلفت. صحيح أن بعضنا يدلف إلى الماضي لتجديد شبابه، فيهرب إلى أمسيات غنائية كانت تبدعها سيدة الغناء العربي أم كلثوم، لكنه هروب إلى المجال الزمني الذي تبددت فيه أيامنا وأعمارنا، ذلك الذي أخذ معه آلامنا وكل ما ناءت به أرواحنا وأكتافنا، ولم يبق منه غير أرواح أصابها الجفاف.

في الزمن الماضي، كانت أم كلثوم تغني لنخبة وعلية القوم، بحضور مشترك للزوج وزوجته، للحبيب وعشيقته، لم تكن قضية "التعليم المشترك" أو "الاختلاط" أولوية تعليمنا، ولم تكن قضية ارتداء الحجاب والنقاب ساحة صراع مشايخنا، كان الحضور النسائي كله بلا حجاب، فهل كانوا غير مسلمين؟ أم أن الزمن أوجد فينا من يريد أن يجرنا إلى جنّته بالسلاسل، مدعياً أنها بلا موسيقى؟

أقول لابنتي "وسن" التي تدرس الإعلام في سنتها الثانية في جامعة اليرموك، كبقية الآباء الذين يرصدون أبناءهم بعيون الماضي.. فتبدو لهم صورة الحاضر قاتمة: أنت يا بنيتي تشرقين وأنا أغرب، ليس حنيناً إلى الماضي، بل لأن قوة نداء الحياة أعلى من قوة وداع الموت، ولأن الإقبال أكثر جذباً لنا من الإدبار.

إن الجميل ليس الزمن الذي مضى ولن يعود، بل أوهام ذاك الزمن التي يغذّيها راهن بالغ القسوة والقيد، وعقليات تريد أن نعيش اليوم بأجندة عمرها تجاوز ألف عام.

دعونا لا نظلم الحاضر، ولنحاسبه بقدر ما نقدّم له، لا ما نجلده به يومياً، ففي الماضي كان هناك فقر وجوع وظلم ومرض، والآن هناك جهاز صغير "لابتوب" يحضر إليك العالم بين يديك.. فأيهما أجمل إذن؟

osama.rantisi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »حديد .. الكثير من الحديد (امجد ابوعوض)

    الثلاثاء 22 آذار / مارس 2011.
    لا اعرف ما علاقة الحجاب بالسلاسل , لم ارى محجبه مقيده بالسلاسل , الا اذا كنت لوحدك ترى تلك السلاسل وهنا فربما اسرائيل هي التي ستعانى من مشكلة كبيره وهي عدم توفر حديد على مستوى العالم يكفي لصناعة دباباتها وطائراتها
  • »ابداع (عدنان الحلبي)

    الثلاثاء 22 آذار / مارس 2011.
    ابدعت بالفكرة والتفكير واللغة والمعاصرة الحقيقية الفعالة يا استاذنا الغالي، وبارغم انك تتحدث عن الغروب الا ان كلامك كله اشراق من خلال جرأة الخروج من قوقعة الماضي التي طالما قتلت كل فجر جديد في قلب شاب اوقفه غروب ظالم، وانا اقول ان هذا المقال كافي للترشح بقوة لنقابة الصحفيين بشرط الالتزام بكلمات المقال وتطلعاته المشرقة. واقول اخيرا ان التفرغ لكتابة المقالات اخرجت ابداعا من قلب فنان اعلامي.
  • »ليس ب اللابتوب يحيا الانسان (محمد الشمري)

    الثلاثاء 22 آذار / مارس 2011.
    بدات الحديث عن 30 عام ثم ختم ب1000 عام اشعلا انك تعاني من مشكلة الاسلام اتريد كل الناس يدرسون الاعلام في كلية اليرموك مع كريمتكم الله يحفظها ذكرتني بمسلسل لن اعيش في جلباب ابي ارى انك يا استاذي العزيز بحاجة الى التجديد حتى تعيش الحاضر وتنتظر المستقبل لمست احباطا عندك يا ابو عمر لم اعهده فيك اقول لك تعايش مع حماس وان فازت في الانتخابات المقبلة اليس هذه الديمقراطية.اخيرا" لا نريد الماضي لكننا نريد الكرامة واللابتوب ليس باللابتوب وحده يعيش الانسان "