علاء الدين أبو زينة

لماذا "التظاهر ضد التظاهر"؟

تم نشره في السبت 19 آذار / مارس 2011. 03:00 صباحاً

عرضت الأحداث العربية الأخيرة ظاهرة ربما تكون ابتكاراً عربياً بامتياز: "التظاهر ضد التظاهر". ولدى التنقل بين محطات التلفزة الرسمية وبين الفضائيات المستقلة، نرى دائماً مشهدين متناقضين، وبطريقة تشوش الذهن. ومن ذلك مشاهدة "العقيد" وهو يطلب من الداعين له بطول العمر أن يمرحوا ويرقصوا ويغنّوا في مكان، ورؤية الليبيين الساخطين النازفين المصرّين على رحيله في أماكن أخرى. وكذلك الصور من اليمن، وهكذا كان في مصر. وقد وصل الأمر في أكثر من مكان إلى اشتباكات دامية بين الذين "مع"، والذين "ضد". لكنه آلمنا تسبب البعض بأن يشهد بلدنا شيئاً من هذا بلا سبب.

لا يبتكر أحد شيئاً إذا قال بأن للأردن ظروفه الخاصة، موضوعياً، وليس رغبة في فصله عن محيطه العربي. وكان من أبرز علامات الحراك السياسي الأردني الأخير، هو إدراك الأردنيين المحتجين لطبيعة هذه الخصوصية، ورفعهم شعارات دارت كلها حول عنوان "الإصلاح"، ولم تعرض تناقضاً رئيسياً بين الشعب والقيادة. وبهذا، يكون "التظاهر ضد التظاهر" هو العرَض الوحيد لاختلاق مثل هذا التناقض، بحيث يبدو الأمر على غير أصله: على أنه صراع بين "مع" و"ضد".

يعني هذا الفرز المفتَعل في الأردن تقسيم الأردنيين إلى "موالين" و"رافضين"، مثل القسمة التي ظهرت في دول عربية رفع محتجون فيها شعار "الرحيل" وآخرون شعار "البقاء". والحقيقة أن اعتبار المواطن "غير موال" لأنه يتظاهر من أجل الإصلاح وليس أكثر، يكشف عن عداء غير مفهوم لفكرة الإصلاح من أساسها، وتعبيراً عن افتتان البعض بفكرة بقاء الأمور على ما هي عليه، باعتبار أنه ليس بالإمكان أبدع مما كان. ويتعارض ذلك مع البدهي مما نعرفه عن ضرورة السعي إلى التقدم، واستثمار الإمكانيات غير المنتهية للإبداع وتحقيق الأفضل للجميع، ومنه إصلاح وتطوير إدارة موارد الأردن التي نعرف محدوديتها، ولخير الجميع.

كانت سمة تظاهرات الأردنيين المحتجين، وفق شعاراتها المعلنة، هي الإصرار على صيانة الوحدة الوطنية. وشكلت اعتراضاً على السياسات والأداء أكثر من كونها استهدافاً للأشخاص. ومن يقول أن ثمة سياسات مثالية ومعصومة لا تحتاج إلى إصلاح ومراجعة في أي مكان من العالم؟! وربما كانت عقلانية واقتصاد مطالب الأردنيين هي التي تفسر الاستجابات المستحقة من صانع القرار: من فتح ملفات الفساد، وتوسيع مناطق الحريات الإعلامية والسياسية، إلى البحث عن سبل لتحسين أوضاع الناس وإصلاح الاقتصاد، والتوجه نحو إقامة حوار وطني يؤمل أن تكون حصيلته أكثر من مجرد الخطابات. وفوق ذلك، ثمة الكثير من الخطوط التي كانت حمراء بلا مبرر، ومحيت، ويمكن أن يتبعها المزيد.

إذا كان هناك من يكره هذه المنجزات التي تخدم مصلحة جميع الأردنيين بلا استثناء، ويعتبرها نزعاً للاستقرار والتفافاً على منَعة الوطن، فإنه معني بمراجعة بواعثه وتشخيص مصلحته و"استقراره" الخاص الذي يتعرض للتهديد من تعبير الآخرين عن تطلعاتهم إلى تحسين أوضاعهم بما هو متاح. وإذا كان أحد يعتقد بأن اتهام الآخرين، ضمناً، بعدم الولاء ومحاولة عزلهم وتغريبهم يمنحه وحده صفة الإخلاص ويجلب عليه مكاسب مؤملة، فإن ذلك رأي غير حصيف، ولا يفعل سوى افتعال تناقض تعسفي غير موجود بين الأردنيين ووطنهم وقيادتهم.

لا بأس بالخروج للتظاهر للتعبير عن التطلعات، لكن الأصل في التظاهر في كل العالم أن يكون وسيلة للاحتجاج. أما الولاء فمسألة مفروغ منها وطبيعية ولا تحتاج إلى تَظاهر، وإلا لكانت كل أيام الشعوب المستقرة تظاهرات. والواضح أن سبب بعض "التظاهرات" هو "الاحتجاج على الاحتجاج"، بما يندرج حتماً في باب المصادرة على حقوق الآخرين في عرض مطالبهم. ولا أظن أحداً يرغب في ترك أعماله والخروج للاحتجاج بلا سبب، ولا ينبغي أن يضايق ذلك من يرغبون تقاسم الغنم دون الغرم، إلا من يخشون فقدان مكاسب ليست لهم.

التظاهر ضد التظاهر، ظاهرة تبعث الرسالة الخطأ في هذه الأوقات بالذات، وتخاطر بدفع الأمور إلى مناطق لا يريدها أيّ أردني. وينبغي التساؤل عن "الولاء" في المخاطرة بتحويل حركة مطلبية جماهيرية إلى صدام بين المواطنين أنفسهم في الوطن الواحد. إن ذلك هو الخطر الأكبر الذي يمكن أن يتهدد الأردن كله، بمواطنيه وقيادته على حد سواء.

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أي اصلاح؟؟؟؟ (زياد الحمدان)

    السبت 19 آذار / مارس 2011.
    غطيني يا كرمة العلي ما فش فايدة
  • »شكرا جزيلا (محمد)

    السبت 19 آذار / مارس 2011.
    هذا المقال رائع جدا و هو يعبر عما عجز أن أقوله أنا و لكني أشعر به. أتمنى أن يلقى تأثيره لدى الجمهور
  • »المطالبة بالآصلاح برهان للولاء (خالــد الشحـــام)

    السبت 19 آذار / مارس 2011.
    جزيل الشكر لك أخي علاء لمقالك الجريء والحساس ظرفيا والدال على النضج في الوعي.

    لا شك أن ردود الأنظمة القمعية على شعوبها الثائرة كانت سطحية ومكشوفة ومعراة الذكاء بنفس منطق قيادة البلاد وسياسة النهب والاحتيال المكشوفة التي مورست عبر سنوات الحكم ، وكما لاحظنا في النموذج المصري واليمني لجأ النظامان إلى خطتين متوازيتين للرد على هذه المعارضات الخطة الأولى تتمثل باستعمال لغة القوة والعنف والردع الأمني ، وشاهدنا ذلك من خلال قمع المحتجين واستخدام الخارجين عن القانون وتلبيس الأمن باللباس المدني لإطلاق ظاهرة الفريق المؤيد وجر قطيع من المضللين وراءهم ، والثانية تتمثل في ممارسة الخديعة السياسية والاقتصادية والاعلامية وحصل ذلك من خلال اطلاق ما يسمى الاصلاحات وتبديل الوجوه وتقديم بعض الفتات والرشوات الاقتصادية لإقناع الحشود بوجود استجابة لمطالبهم ومحاولة حقن عقولهم بمخدرات لحظية .

    إذا براءة اختراع المظاهرات الموالية هي صنيعة الأنظمة العربية بامتياز عمل فيها الحاكم العربي إلى استدعاء روح داحس والغبراء من شقوق التخلف والبداءة التي أقام منظومته الحاكمة عليها و تعيدنا إلى النمط القبلي الذي كان سائدا في الأيام البائدة حينما كانت القبيلة بأكملها تنساق لنصرة فرد واحد بغض النظر عن تفاصيل الحدث وكأن الأمر مجرد فزعة بيولوجية تستعرض تواجدها بالكثرة ولا يجمع بينها سوى عقلية الانتقام من الفريق الاخر تماما كما ينساق القطيع وراء غريزة مبرمجة فيه لا يمكن له أن يفهمها ولا دور للعقل فيها.

    لو كانت التظاهرات المؤيدة في اليمن مثلا وليبيا صادقة لكنا شاهدنا هيئة فكرية حوارية تمثل هؤلاء وتقاوم من خلال منبر الرأي والاعلام الحر وتقدم آراءها للطرف الاخر دون اقترانه بالعنف والبلطجة لأن لغة العقل والحوار والاقناع أقوى بالآف المرات من لغة السطوة والعنف ، ولكن ما شاهدناه كان الاقتصار على لغة العنف والترهيب والهمجية البدائية مما يدلل على طبيعة النوايا التي يحملها اولئك ولو كان رأس النظام هنالك نزيها لأوقف فورا مثل هذه الأنشطة وحصرها بالساحة الفكرية والاعلامية .

    هذه التظاهرات التي سميت بالمؤيدة ليست في جوهر الأمر سوى وجه آخر من قوى الأمن للحاكم العربي بلباس مدني لإخفاء التورط الرسمي في قمع المحتجين واضفاء الرغبة الشعبية في بقاء الحاكم ، ومحاولة مفلسة منه لأضفاء رتوش من الشرعية والقبول الشعبي لكيان وصل غاية القبح القيادي وذروة الانحطاط السياسي .

    فيما يخص التظاهرات على الصعيد المحلي فهنالك اختلاف جوهري ، فلا شك أن الجامع الأساسي بينها هو الولاء للعرش الهاشمي ومحبة الملك عبد الله الثاني حفظه الله وحقيقة الاصلاح والمطالبة به هي مظهر صحي للمجتمع يدل على الوعي والحداثة وصدق الانتماء وشكل من أشكال النصح العفوي غير المباشر ، أما محاولة الانقضاض لفريق على آخر بالقدح والاتهام بضعف الولاء وممارسة الرفض المشحون فذلك ما يرفضه عاقل ويجعل الشبهات تدور حول ذلك الفريق المعتدي وطبيعة أجندته ونواياه وآلية ظهوره ، وهنا يأتي دور النخبة في إعادة صوغ المطالب والتحديات للخروج بنسق موحد والحفاظ على ركيزة الوحدة الوطنية والعمل بيد واحدة لأردن أفضل.
  • »شكرا ً (هيثم الشيشاني)

    السبت 19 آذار / مارس 2011.
    " أما الولاء فمسألة مفروغ منها وطبيعية ولا تحتاج إلى تَظاهر"
  • »انا مع الصلاح و ضد التظاهرات (KHWV)

    السبت 19 آذار / مارس 2011.
    مين فينا ما بحب الاصلاح اكيد الصلاح و تحسين وضع الوطن و المواطن و تعبير عن حرية الرائي اشي كثير مهم و انا مع هاذ الشيء
    ْبس انا ضد المظاهرات لأنها بتعمل نوع من البلبله في الشارع و ايضا انا ضد المظاهره ضد مظاهره بس ياريت انعبر عن احتياجات المواطن بسلوب ما يدخل فيه حاقدين على وحدة الوطن و اكيد الاردن اولا
    و نحن تحت الراية الهاشمية
    و اطال الله بعمر جلالة سيدنا
    و الشعب الاردني من اطيب الشعوب
  • »رائع (محمد)

    السبت 19 آذار / مارس 2011.
    كلام راااائع يا ريت الناس الذين يعتقدون ان الوطن لهم وحدهم، ان يستوعبوا ويفهموا هذا الكلام و لا يزاودوا على احد في في حب الوطن و الدفاع عنه
  • »وسيلة للتعبير عن الرأي (علاء الزواهره)

    السبت 19 آذار / مارس 2011.
    التظاهر الذي يحمل فكرة الاحتجاج هو وسيلة للتعبير عن الرأي خرجت في وضع حرج
    كما أن التظاهر ضد التظاهر هو عبارة عن وسيلة للتعبير عن الرأي لا يجوز انكارها ما دامت في حيز سلمي بعيد عن العنف.
  • »نحن ضد ما يجري ولنا الحق في التعبير عن راينا (محمد علي)

    السبت 19 آذار / مارس 2011.
    لا نريدان تفرض الاقلية الصاخبة رايها واجندتها على الاغلبية الصامتة.
    فهناك اناس ضد تجريد الملك من صلاحياته وضد حل القضية الفلسطنينة على حساب الاردن وضد تركيب الاحزاب على ظهور الشعب الاردني ..فهل نصمت؟
  • »الحكم الاستباقي على المتظاهر : (علاء المجالي)

    السبت 19 آذار / مارس 2011.
    ..كل متظاهر هو عميل المؤامرات الخارجيه على الاردن..كل متظاهر هو متآمر على امن البلاد..كل متضاهر هو فلسطيني...كل متظاهر هو "اخ مسلم" ..كل متظاهر هو عدو "الخط الاحمر"..كل متظاهر هو حاقد..." احنا بألف خير..ليش نتظاهر" ..." يا ابني لا تطلع مظاهرات..بكره بلغو عنك المكرمه"..." لا تظاهر لانه المخابرات بسجلوها عليك" .. " لا تتظاهر و الا ما بشغلوك الحكومه" ...." تظاهر انك بالف خير..تظاهر بانك ممنون الخطوط الحمر..تظاهر انك مبسوط..
  • »لن يكون معطم الشعب اسرى لللأقلية (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    السبت 19 آذار / مارس 2011.
    المؤيدون للاصلاح والتغير هم الأكثر عددا ، وهم متساون بمطالبهم ، موحدون بأرائهم يريدون وطنا وعيشا كريما ، وعدالة اجتماعية ، ووفاق بين الأحبة ، واقتصادا منعشا ..وهذه مطالب ليست تعجزية ، فاذا توفرت النية الطيبة من حكومة وطنية عادلة ، نابعة من شرائح المجتمع الأردني فتحقيقها ربما يحتاج الى وقت ولكن قابلة للتعديل والتطوير ..انني المس أن غير المؤيدين لهذه المطالب الأجتماعية والأقتصادية والتربوية يريدون ان يبقى الشعب الأردني كله اسرى لهم ..فأما أن نقبل بشعاراتهم والآ لنبقى على حالنا..لذا على الشعب والدولة التحرك من هذا الأسر والسعي الى حل المشاكل المستعصية عن طريق الحوار البناء والتحرر من الأسر
  • »شكرا (احمد اعبيد)

    السبت 19 آذار / مارس 2011.
    كلام جميل ومنطقي جداشكرا ابو زينه