د.باسم الطويسي

مشاريع وهمية للبيع

تم نشره في الأربعاء 16 آذار / مارس 2011. 03:00 صباحاً

أوقف شباب من مدينة معان هذا الأسبوع عملية هدم أبنية ومنشآت مصنع سيارات "لاند روفر" الذي أعلن عنه قبل عشر سنوات ولم ير النور. وعملية الهدم يقوم بها أحد المقاولين من أجل استخراج قضبان حديدية من المباني وبيعها كخردة، فيما جاء تدخل المجتمع المحلي لإنقاذ ما تبقى من منشآت أقيمت على أرض تعود إلى خزينة الدولة في مشروع تطاوله شبه فساد ولم يفتح ملفه، حيث تقدر قيمة تلك المنشآت والمباني بنحو 12 مليون دينار، أقيمت لمجرد الإيهام مقابل حصول الشركة المعنية على تسهيلات حكومية قدرت قيمتها بنحو 70 مليون دينار.

الفساد يولّد فسادا اكبر، والبيئة الرخوة تجعل المفسدين يخرجون كل يوم بلون. لم يتحرك ساكن على قصة فساد مصنع "لاند روفر" خلال كل تلك السنوات، وأذكر انني كتبت مقالا قبل أربع سنوات حول الموضوع، تم اغتياله في حينه ولم ينشر. واليوم، يتأكد حجم هذا الفساد بتدمير بنية تحتية لمجموعة من المنشآت التي قد تصلح لإنشاء مركز تدريب مهني عملاق، أو إنشاء مستشفى أو مشاغل، من اجل مجرد استخراج بعض القضبان الحديدية التي تباع بثمن بائس.

الناس في معان يتحدثون عن خيباتهم من مشاريع التنمية التي باعت لهم الاوهام والصداع. فإلى جانب مصنع "لاند روفر"، يضعون مصنع الزجاج الذي كان من المؤمل ان يوفر 2400 فرصة عمل، وفشل مصنع الفلاتر، وفشل شركة المقالع التي حصلت على منحة دولية من إحدى الدول الاوروبية. وكل تلك المشاريع الفاشلة نالها من رأسها الى ساسها الفساد، ومعظمها جاء في سياق منح ومساعدات خارجية او من اجل الحصول على تسهيلات حكومية.

تتكرر قصص المشاريع الوهمية التي طالما غاب عنها الإعلام، ومعظمها يتكرر في المحافظات، الامر الذي يجعل المحافظات بيئة رخوة أخرى للفساد القادم اليها من الخارج.

تتخذ المشاريع الوهمية أنماطاً وأشكالاً متعددة لا تتوقف عند حدود أوهام بعض الاستثمارات الوافدة أو المحلية التي يُعلن عنها في بيئات عانت من الفقر والبطالة، وتقوم الحكومات في أحيان كثيرة بتقديم تسهيلات خاصة لهذه الاستثمارات التي تقام في المحافظات، اعترافاً منها بتدني حجم الرعاية التنموية في هذه المناطق، وفي مرات عديدة تمارس الحكومات نفسها بيع الأحلام والأوهام للناس، فالكثير منا يتذكر أحلام ووعود وادي السيلكون في عجلون. ومن الأمثلة الأخرى لبيع الأوهام باسم التنمية ما تقوم به بعض الوزارات من تقديم منح كبيرة لشركات من القطاع الخاص لإعداد دراسات جدوى لمشاريع صغيرة، وتأتي الطرافة مرة أخرى في منهجية إعداد هذه الدراسات التي تخضع لبرنامج محوسب لا يأخذ بعين الاعتبار أي ظروف اجتماعية أو محددات ثقافية، وتأتي النتائج لتسطر الأحلام للمغامرين الصغار، وما إن يتورط المواطن بقرض مالي ويبدأ مشروعه حتى يكتشف حجم الوهم الذي أُوقع في شباكه.

المشكلة أن هذه الأنماط من الأداء التنموي الزائف علاوة على فشلها في إيجاد الحلول الملائمة لمشكلات الناس الاقتصادية، تنعكس بشكل سلبي على علاقة المجتمعات المحلية بالدولة، وتفقدهم الثقة بالمؤسسات، وتنمي مشاعر الخوف من المستقبل والإحساس بالظلم والاحتقان.

لابد من الاعتراف بأن انتشار أنماط المشاريع الوهمية يشير إلى خلل حقيقي في أداء المؤسسات والفعاليات الرسمية القائمة على التنمية، وافتقادها الخبرة الحقيقية فيما يعرف اليوم في العالم من تقنيات وآليات للتقصي خلف ما يطرح من استثمارات محلية وأجنبية. فلا يكفي السعي الدؤوب لتوفير بيئة استثمارية جاذبة على ما يحمله هذا الأمر من أولوية وأهمية، بل من المهم التأكد من مدى جدية هذه الاستثمارات ومدى خدمتها للتنمية الوطنية وأهدافها، وألا تتحول البيئة الاستثمارية الجاذبة وما تنطوي عليه من تسهيلات وإعفاءات وامتيازات إلى مجرد بيئة جاذبة لشكل آخر من الفساد وبيع الأحلام الخادعة للناس. لقد آن الوقت الذي نطالب فيه المخططين للتنمية بالنزول من أبراجهم العاجية والخروج من عزلتهم عما يحدث في العالم وفي مجتمعاتهم المحلية.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »هؤلاء الذين يموتون بتخمة الاموال اللتي تسرق من الشعب (استشاري قانوني)

    الأربعاء 16 آذار / مارس 2011.
    ماتَ ابْنُها ِبعَظْمَة ٍوَقَفَتْ في حَلْقِهِ ,
    جاءَ الثَّعْلَبُ مُعَزِّياً وَمُواسِياً ,
    قالَتْ أمّ ُالذِّئْب ِ: عَزَّ عَلَي قَوْلُهُمْ ماتَ ابْنُها ِبعَظْمَة ٍ,
    لَيْتَهُ ِمثلَ أخيهِ , ماتَ ِبتُخْمَة !!
    منقول
  • »ضعف التنمية (من معان)

    الأربعاء 16 آذار / مارس 2011.
    نشكرك دكتور باسم على المقالة فهي رائعة وكنا نريد ان نقول ان الجهات الرسمية كانت تعلق دائما عدم نجاح المشاريع التنموية على المجتمع المحلي بانه طارد للتنمية ولكن اين الحكومات من ذلك لماذا لا يتم محاسبة المتسببن بفشل المشاريع حتى لو كانوا من ابناء المنطقة والابقاء على هذه المشاريع لانها كانت ستخدم وتوظف شريحة عريضة من ابناء المجتمع العاطلين عن العمل
    يا ريت ان يكون كتاب امثالك وامثال صحيغة الغد تنقل الحقيقة ونبض الشارع لمن لا يريد ان يعرف
  • »العاقل من يتعظ بغيره (استشاري قانوني)

    الأربعاء 16 آذار / مارس 2011.
    احدى المشاريع الوهمية سيدي العزيز هو المجلس النيابي في صورته الحالية مجلس ال 111 وهناك شتى المشاريع اللتي لو وضع مقياس جدوى لها سوف يتفاجأ الشعب بالنتائج لان الجدوى منها هي تزويد خدمات ومنفعة لفلان او لابن فلان واذا بقي الوضع الراهن كما هو فالبوعزيزي ليس ببعيد عن هؤلاء الفاسدين والمفسدين بالارض واحمد عز ليس ببعيد عنهم فليتعظو لان العاقل من يتعظ بغيره.