سمفونية تحت التراب

تم نشره في الثلاثاء 15 آذار / مارس 2011. 03:00 صباحاً

كانت أصوات العرس البعيد تنفد لي عبر الثقوب. وكنت أهب كل دقيقة من فرشتي الصغيرة، حين أمسك بطرف أغنية أحفظها عن ظهر قلب. امممم.. مثلا حين كانوا يرددون "يا بيرقنا العالي عبدالله الثاني"، كنت أقول: بيرقنا العاليييي... والله غالييييي! أحب هذه الأغنية كثيرا. ولن تصدقوا أنني حفظت معظم كلماتها ولحنها، بعد أول مرة سمعتها فيها، رغم أنهم يقولون عني انني معاقة!!

لماذا ضج أخوتي من صوتي، وأنا لم أفعل شيئا، إلا المشاركة بالعرس من بعيد؟ لو كان حسي نشازا كما يقولون، ألا يعرفون أنهم من أحادوه عن جادة صوابه، بعد أن قطعوا أوصال أوتاره بأظفارهم اليابسة؟ ألا يعرفون أن صوتي الذي مزقوا أشلاءه بعصيهم وسكاكينهم الملتهبة، كان في يوم من الأيام يشبه أصواتهم، وهي تنادي على الغيوم البعيدة أن "يا مطرة حطي حطي على قرعة بنت اختي.. بنت أختي جابت ولد سمته عبد الصمد..".

تصوروا أنني كنت أعتقد أنني ابنة أختهم جميعا؟ وأنني سأتزوج واحدا من أولاد الحارة الذين، كانوا يركضون معنا تحت الشمس، وسأنجب ولدا اسمه عبد الصمد؟!

عشرون عاما، وأنا أنتفض بين أيادي أخوتي، يتلقفني الكف وراء الكف، شَعري بعثروا بكرامته الأرض، جسدي فتتوه للغنم، وأنا لا حول لي ولا قوة إلا بالصراخ.. والصراخ فقط، والذي صار وسيلة النداء وحيلة الرجاء الوحيدة، التي تحولت إلى خوار من دون أن أدري، ومن دون أن أتمنى طبعا!

كم من مائة مرة عاتبهم الجيران على رمي أختهم، في حجرة أشبه بزريبة الخراف؟ كم من مائة مرة حاول أبناء عمومتي، ثنيهم عن تعنتهم في سبيل وضعي في إحدى دور الرعاية، كفا للأذى المتبادل! لم يستمع أحد للنصيحة، ولم يلتفت عاقل للأطراف التي بدأت تطول، والجسد الذي امتلأ خبزا وماء، وشبابا ومقاومة...

صار همي أكبر، كلما حل ربيع آخر على حاكورة الدار، وصار صوتي مزعجا أكثر، كلما مرت "فاردة" عرس من أمام باب الزريبة.. كنت أتفلت من الحبل الذي أدمى قدمي، وأزحف على الأرض – كأي فتاة معاقة عقليا – وأبدأ بصراخ لا ينتهي، أناشد فيه أهل الخير، أن فكوا قيدي ودعوني أركض تحت الشمس، وأعدكم أنني لن أسود وجوهكم البيضاء، ولن أخزيكم بفعائلي، التي تستبقون حدوثها وكأنها من المسلمات..

مسلمَات قلت ؟ وهل من مسلمات أوقع من الحال الذي وصلت إليه ؟ بعد أن ذبحوني بالإنكار، وسلبوني حقي البديهي في التأوه بحرفين كانا الأحب إلى قلبي "أخ".. بعد أن دفنوني بالحياة وبالموت ؟

الآن،ارتاح جسمي من قسوتهم على حالي، التي لم أمتلك قرارها يوما، وهدأت الغرفة المعتمة من صراخ النهار وعويل المساء، آن لي أن أتفرد بحجرتي الجديدة، والتي لا تتسع إلا لي وحدي. حيث لا فئران تقاسمني الليل. ولا أحد سيتجرأ على حنجرتي. سأغني ما يحلو لي، مخاطبة الغيم الذي حبس دمعه أمامي: يا مطرة حطي حطي، على قرعة بنت أختي، بنت أختي جابت ولد، وسمته عبد الصمد..

(قصة مشابهة: فارقت نجوى الحياة بسبب التعذيب، في يوم المرأة العالمي، وكانت نجوى مصابة بإعاقة عقلية، عوقبت بسببها لمدة تسعة عشر عاما.. طويلة جدا).

hanan.alsheik@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اتدرون من المعاق؟؟!! (سهام وريدات)

    الثلاثاء 15 آذار / مارس 2011.
    اتدرون من المعاق ؟؟!
    المعاقون ليسوا من يمتلكون الاعاقة السمعية ,الحركية,البصرية,والاعاقة العقلية اواي خلل لا يمكنهم من ممارسة حياتهم الطبيعية ,بل هم المعاقين روحيا فارغين من ادنى درجات الايمان والسمو الاخلاقي وقواعد الانضباط السلوكي الانساني.
    هم من تغلغلت في نفوسهم صفات الوحشية الفتاكة والهدامة والقاتلةللاخرين امثال نجوى التي كانت ضحيةهده الوحشية الى ان آلت لحجرة جديدة تتفرد بها وحيدة هي وصوتها ..
  • »مدهشة (ع.ع)

    الثلاثاء 15 آذار / مارس 2011.
    تعرفين أجمل ما كتبت اليوم؟
    "وأنا لا حول لي ولا قوة إلا بالصراخ.. والصراخ فقط، والذي صار وسيلة النداء وحيلة الرجاء الوحيدة، التي تحولت إلى خوار من دون أن أدري، ومن دون أن أتمنى طبعا!"
    كيف سمعت هذا الصوت يا حنان ؟
  • »تخلف عقلي (تخلف عقلي)

    الثلاثاء 15 آذار / مارس 2011.
    و الله ما ني عارفه مين المعاق عقليا هي و الا اللي ذبحها من القتل ؟؟
  • »لحن الإنسانية المنكوبة (منذر السلامين)

    الثلاثاء 15 آذار / مارس 2011.
    الرائعة دوما حنان:

    عزفتِ باقتدار وبألق باذخ لحن الوجع الإنساني الحزين ... إعاقة العقل أرحم بكثير من عقم المشاعر والأحاسيس حينما يكون حضورها مجرّد صدفة أو إستعراض بإحتفالات وشعارات رنّانة وخطب نستخسر فيها ما يُستهلك من حروف ...
    كم هو مؤلم أن تُصادر الإنسانية بتلك الوحشيّة الموغلة بالجهل بغضّ النظر عن الدّافع حتى لو كان في سبيل الآلهة ....

    سلمتِ و سلم (كيبوردك!!!)
  • »اقتربت الساعة (سعاد)

    الثلاثاء 15 آذار / مارس 2011.
    الله يرحمهاشو بدها بهيك دنيا ؟؟؟
    جنة ربنا ااحسنلها من هالدنيا الحقيرة
  • »يمهل و لا يهمل (سائد المغازي)

    الثلاثاء 15 آذار / مارس 2011.
    رحمة الله على نجوى..
    حسبي الله و نعم الوكيل فيهم .
    غدا او بعد غد سيسقط من قبل الأهل الحق الشخصي و يحكم من قام بهذه الجريمه بخمس سنوات و أو يخرج القاتل بنصف المده لحسن السيرة و السلوك !
    لكن الله يمهل و لا يهمل . .
  • »انا لله و انا اليه راجعون (أحمد)

    الثلاثاء 15 آذار / مارس 2011.
    لا حول ولا قوة الا بالله.يعجز لساني عن التحدث...
  • »الاردن (شب)

    الثلاثاء 15 آذار / مارس 2011.
    نسبة التعليم عالية بالاردن ولكن نسبة المثقفين لا تتجاز السالب 1 وهذا سبب الظلم والسواد الذي يعيش بداخلنا
  • »ثقافة الاستضعاف (نورا جبران)

    الثلاثاء 15 آذار / مارس 2011.
    إنها القصة نفسها، تتكرر كل يوم في بلادنا التي لا تطلع عليها الشمس، تتكرر كل يوم بشكل ولون جديد، فتأتي مرة في اسقاط الحق الشخصي عن اغتصاب قاصر، أو موت طفل تحت التعذيب، أو جريمة شرف ملفقة، أو حبس المسنين وذوي الاحتياجات الخاصة، في غرفة لا يعرف النور ولا الحب إليها سبيلاً.. والقائمة تطول وتزداد في جنح غياب المؤسسات المعنية، قتامة واسوداداً!!
    في كل صباح هناك قصة جديدة، ولا تحرك!! ننتفض لكل قصة ونجتهد في إعطائها اسما يليق بمدى مأساويتها، ويتناسب وحجم التفاعل الآني معها، ثم ننسى، وتنسى الدولة دورها في وقاية وحماية هؤلاء المستضعفين، الذين أعملت آلة الوحشية وانعدام الإنسانية أضراسها فيها.
    كم من فتاة أو شاب أو طفل مات بين العفن والفئران بنفس الطريقة الموجعة، فقط لأنه مختلف عن هؤلاء البشر، الذين ولاهم الله والمجتمع أمانة رعايته، فخانوا الله والمجتمع، وتنكروا لإنسانيتهم، إن افترضنا أن لديهم منها ذرة واحدة!
    وطالما أن الحالة تتكرر كل يوم، وتسمم صباحاتنا على الدوام، فلماذا لا تطرق المؤسسسات المعنية أبواب هذه الأوكار، وتنتزع حق هؤلاء الناس في الحياة، وتخلصهم من براثن العذاب! إن لم يفلح هذا، فهو على الأقل سيجعل معذبيهم يخشون العقاب، والله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن..
    لا يكفي أن نبكي على مآسيهم ونتذكرهم في مناسبات رحيلهم، فغيرهم الآف ممن لا يزالون تحت الجور والتعذيب. على المؤسسات والحكومات أن تضع خططا جادة لتغيير ثقافة المجتمع، وتأهيله للتعامل السوي مع هذه الفئة، وغيرها، والقيام بحملات تفتيش، وتوعية أصحاء الضمير بضرورة التبليغ عن مثل هذه الحالات، وفرض العقاب الرادع على من يسلبونهم حق الحياة.
  • »مقال حزين و كاتبة رائعة (صباح جبور)

    الثلاثاء 15 آذار / مارس 2011.
    مقال حزين من الكاتبه الرائعة و القضية لا يصدقها عقل في هذا العصر رحم الله نجوى و التي ارتاحت من عذاب اشقائها لها طوال هذه السنين
  • »بالله عليكم ..احكموا من هو أو هي ، او هم المعاقين (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الثلاثاء 15 آذار / مارس 2011.
    لا ذنب لنجوى باعاقتها .ولا ذنب انها ولدت اصلا . الأهل هم المعاقون الذين يستضعفون هذه الانسانة بدلا من احتضانها ، ويقسون عليها ، ويستهزيؤن منها ، ويخحلون من اظهارها للناس ..لو كان يا ايتا الأديبة الشابة في رجمة بقلوب أهلها ، وحتى الأقارب أو الجيران لكانوا التجؤا الى احدى منطمات حقوق الأنسان لوضعوا كل الأسرة في السجن .فمن يتصرف بهذه الوحشية فهو المعاق في عقلة وقلبه وانسانيته ,,هو الذي يحتاح أن يضع في زنزانة لآنه سخر من مخلوقات تشوهت لاهمال اثناء الحمل ، او اثناء الولادة ، أو عدم تطابق دم الأم ودم الأب ، او من جنات الوالدين ..مهما كانت الأسباب فقد اراد الله ان يخفف عنها هذا العذاب القاسي فأخذها عنده ليضع حدا لألامها المبرحة.
    أحيانا تتصرف الحيواناي والطيور الأليفة مئة مرة أرأف من تصرفات بني البشر