شباب فلسطين والمصالحة المشتهاة

تم نشره في الثلاثاء 8 آذار / مارس 2011. 03:00 صباحاً

أصعب ما في الجدال، السقيم غالباً، بشأن استعصاء المصالحة بين حركتي فتح وحماس أنّ القناعة متوطنةٌ بأنّ الانقسام السياسيّ والجغرافيّ الحادث في فلسطين، والذي صار بعد الاقتتال إياه، يعود إلى التباعد بين خياري التفاوض والممانعة، بين الانخراط في تنازلات عملية سلامٍ بائسةٍ ومقاومةٍ مسلحةٍ ينبغي أن ينهض بها الشعب ضد إسرائيل. وتدأب "حماس"، ببراعةٍ، على الذهاب بالنقاش إلى هذه المسألة، ما ينفعها في تظهيرها حركةً تناوئ الاستسلام والتراخي في الحقوق الوطنية، وينفعها في تبيان "تهاون" زعامات "فتح" والسلطة الوطنية بشأن الثوابت الفلسطينية. وأول ما يحسن التذكير به، في هذا المقام، أنّ التقاتل الدمويّ الذي جرى، قبل توقيع اتفاق مكة وبعده، لم يكن أبداً لذلك السبب. ليس فقط بدليل أنّ ذلك الاتفاق لم يأت على مسألتي المقاومة والتفاوض، والثوابت والتنازلات، بل، أيضاً، لأنّ نقاط الخلاف والتفاهم بين الطرفين بشأن بنودٍ في الورقة المصرية للمصالحة لم تتعلق أيّ منها بهذه المسألة، سيّما وأنّ تلك الورقة نصّت على حقّ الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال، ولم تفرض الاعتراف بإسرائيل وشروط الرباعية الدولية، كما أشيع، بل تعلقت تلك النقاط بالسبب الرئيسيّ لذلك التقاتل، ثم الانقسام المخزي، وهو عدم رضا "حماس" بما أعْطيتْه من سلطاتٍ وصلاحياتٍ أمنيةٍ في أجهزة السلطة، بعد فوزها بالأغلبية النيابية في المجلس التشريعي، واستحقاقها رئاسة الحكومة، سيّما وأنّ ممارسات كانت تقترفها عناصر وقياداتٌ فتحاوية في الأجهزة الأمنية لم تكن محتملةً، ثم كان ما كان.

يُؤْتى هنا على ذلك الأرشيف، وعلى وجوب إعادة المسألة إلى مظانّها الأولى، بمناسبة تحرّك مجموعاتٍ شبابيةٍ فلسطينيةٍ، في هذه الأيام، باتجاه إنجاز المصالحة، صدوراً عن حقيقة أنّ "الشعب يريد إنهاء الانقسام". وكان مفرحاً أنّ انتصار الشباب في ثورتي مصر وتونس أيقظ في الشباب الفلسطينيّ همّتهم نحو إنهاء الحال الراهن، السخيف في أقلّ توصيفاته، بين الضفة الغربية وقطاع غزة. وإذ تنشط الحملات على "فيسبوك" من أجل هذا الهدف المشتهى، وتنتظم مسيراتٌ غير قليلةٍ للدفع باتجاهه، يحسُنُ أن نعرف أنّ عدد الشباب يفوق 65 % بين الفلسطينيين، وأن نتذكّر أنّ منتدى "شارك"، وهو المنتدى الشبابي الأكثر فعالية في الأراضي الفلسطينية، وأغلقته حكومة حماس في غزة، كان قد أشهر أنّ العام 2010 عزّز خيبة أمل الشباب الفلسطيني، بسبب تصاعد شعورهم بالإحباط تجاه الأحزاب والفصائل والحركات الفلسطينية، كنتيجةٍ حتميةٍ للانقسام الداخلي، وبسبب القيود المشدّدة على الشباب لإضعافِهم، "ما يعزّزُ إمكان تحولهم إلى طاقةٍ تدميرية، لا يسلم منها الشعب الفلسطيني ككل".

يستلهم الشباب الفلسطينيون الدرس الأهمّ في انتصار أشقائهم المصريين والتونسيين، ويطرحون، في مواقع التواصل الاجتماعي وتجمعاتهم والمسيرات الشعبية، اجتهاداتهم بشأن استعادة الوحدة الوطنية وإجراء انتخاباتٍ ديمقراطيةٍ نزيهة، ويُؤكّدون على إنهاء الاحتلال والتمسك بالثوابت الوطنية. والعجيب أن يستهجن فتحاويون تواصل سلام فياض مع مجموعاتٍ شبابيةٍ (ونسائيّة) في هذا الخصوص وغيره، وعجيبٌ أنّ قيادات "حماس" تُؤكّد حرصها، في الموسم الراهن، على المصالحة، من دون كبير اعتناءٍ بتلك النداءات الشبابية، وتُؤْثر التنبيه، كما فعل إسماعيل هنية، إلى أنّ تأثيراً ينبغي أن يكون للمستجدّات العربية الأخيرة على المصالحة، وهذه ينبغي أنْ يُعلي تحقيقُها من الجهاد ومقاومة المحتل، كما قال خالد مشعل.

نفرح بالحرارة التي استجدّت في مسار البحث العويص عن المصالحة، والتي أشاعها الشباب الفلسطيني الساخط، ونرتاب، في الوقت نفسه، في تريّث "حماس" المديد، وانتظارها أن تقطف ثماراً مصريةً في هذا الملف الذي أشعر الفلسطينيين، أمام إسرائيل والعرب والعالم، بالعار.

maan.albayari@alghad.jo

التعليق