عيسى الشعيبي

العرب يحطمون صورتهم النمطية

تم نشره في الثلاثاء 8 آذار / مارس 2011. 03:00 صباحاً

نعم، لم تكن الصورة النمطية التي تشكلت لدى الغرب عن الإنسان العربي، نتاج مؤامرة استعمارية خبيثة فقط، ولم تتعزز الأحكام السلبية المسبقة عن القوم لدى جيرانهم بفعل عوامل كراهية تاريخية فحسب، ولم تتراكم خطوط اللوحة الرمادية، وتختلط ألوانها، وتتشوه مكوناتها، حصراً تحت تأثير ذكريات متوارثة من أيام الحروب الصليبية والفتوحات الإسلامية، أو غير ذلك من الوقائع التي علقت في أذهان الشعوب الأخرى عن الشخصية الاعتبارية لهذه الأمة.حتى إذا كانت هناك بعض العوامل والأحكام والمفاهيم والذكريات، التي أسهمت في إنتاج الـ"ستيريو تايب" الرائج عن العرب، وعملت على إعادة عرضه بانورامياً في كل مناسبة سانحة، فقد كانت هذه العوامل مجرد مدخلات جزئية محدودة، غير كافية وحدها من دون غيرها لإبراز تلك الصورة السلبية المتداولة، وضخها بكثافة شديدة في الإعلام والأفلام والأذهان الأوروبية، على نحو ما عانينا منه كثيراً، وضقنا به ذرعاً خلال العقود الطويلة الماضية.

إذ ليس من شك في أن العرب على مدى تاريخهم المعاصر، كانوا يغذون بأنفسهم تلك التصورات والانطباعات والأفكار الرائجة عنهم، بل ويبادرون مراراً وتكراراً إلى جدع أنوفهم بأيديهم، وتسويد وجوههم، وتغذية نار الأحقاد التاريخية ضدهم، وذلك بما كان يقارفه بعضهم من أفعال إرهابية شائنة ضد المدنيين في المطارات وحافلات الركاب، أو يمارسه أثرياؤهم من فسق وإسراف وابتذال في النوادي والفنادق والأسواق، ناهيك عما أظهرته الشعوب العربية من استكانة لجور أوتوقراطياتهم، ومن خنوع لهيلمان ثيوقراطياتهم.

لقد بدا العربي في كثير من الروايات والأفلام والقصص الإخبارية والملفات القضائية لدى الغرب، كإنسان ممتلئ بالشهوة إلى المال والدماء والجنس والعنف، الأمر الذي يسر للآخرين وصمه بوصمة الإرهاب تارة، وبالتهتك وبالسفه والتبذير تارة أخرى، فضلاً عن تنميطه كمخلوق انفعالي غير متحضر، أناني اتكالي استهلاكي، متعصب ضد المرأة، يعادي قيم الديمقراطية وثقافة التسامح وتداول السلطة، وكل ما من شأنه أن يعتبر نقيصة وعورة وتخلفا حضاريا.

وأحسب أن هذه الصورة النمطية البائسة، التي تأطرت في براويز معدنية عريضة، قد انكسرت أو أنها في طريقها إلى التحطم النهائي في هذه الآونة العربية المضيئة، التي فاضت على العالم بمشاهد ثورية شبابية بيضاء، أخذت في تغيير واقع بدا لوقت طويل كأنه بركة ماء راكدة، وتجديد مكونات شخصية إنسان هذه البلاد، مهد الحضارات القديمة والأديان السماوية التوحيدية، ومن ثم تغيير مقومات تلك الصورة المبثوثة عن العربي القديم، حتى لا نقول إن هذه الثورة المدنية الإبداعية باتت محط أنظار الشعوب الأخرى قدوة تقدى، ومصدراً لإلهام شبابهم.ذلك أن ما يتواصل تدوينه ببلاغة وتؤدة من فصول كتاب التغيير الشامل على امتداد الخريطة العربية، ليس انقلاباً عسكرياً، أو هبة شعبية، أو حركة احتجاجية مطلبية عابرة، وإنما هو ثورة شعبية حضارية باذخة، عمادها قوى اجتماعية شابة تنتمي إلى الطبقة الوسطى، حيث مستودع الثقافة والعلوم والفنون، ومحرك التجديد والانبعاث والمبادرات الإبداعية، وحصن القيم النبيلة والرأسمال البشري المثمر والمبادئ الديمقراطية، وقاعدة التسامح والاستقرار والتراكم الحضاري، وضمانة التقدم الحثيث إلى الأمام، بعيداً عن التعصب واللغو والانغلاق والتطرف. إزاء ذلك، فإن من حقنا أن نستشعر اليوم في قرارة أنفسنا بأن عهداً عربياً جديداً عزيزاً قد انبثق لتوه في فضاء كان مسكوناً بالنفط والقمع والفساد والكولونيلات، وأن زمناً جديداً مشرقاً قد أمسك به الشباب العرب في شارع الحبيب بورقيبة وميدان التحرير وساحات التغيير العديدة، وراحوا يؤولونه على نحو ما اشتهاه جيل هرم كثيراً، وشابت منه الذوائب في انتظار هذه اللحظة التاريخية المجيدة، التي أعادت للإنسان العربي حسه بإنسانيته وكرامته ومواطنته، وحطمت في الوقت ذاته الصورة النمطية التي رسخت في أذهان الآخرين عنه، بل وشوّهتها حتى في مرآته الذاتية عن نفسه.

issa.alshuibi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الصورة النمطية يعاد انتاجها (د نواف شطناوي)

    الثلاثاء 8 آذار / مارس 2011.
    انني اتفق في كثير مما ورد , ولكنني اميل الى التاكيد باننا قد ساهمنا بقصد او دون قصد بتاكيد تلك الصورة, و لا زال التعاطف مع ما يسميه العالم ارهابا يعشش في عقول كثر
    و انني اتسائل كيف تحولت الصورة البهية الحضارية المتمدنة لثورة مصر و تونس و الى حد ما اليمن الى صراع مسلح و بسرعة البرق في ليبيا
    قد يلجا اعداء الامة و من روجوا لهذه الصورة النمطية لاقتراف اعمال اسيتفزازية تولد ردود فعل هي سمة غالبة لكثير من نشاطنا, فهل هناك عقلاء يقدمون مصالح الاوطان على مصالح شعبيتهم و بطولاتهم التي لم تحقق خطوة الى الامام.