لا استثناءات

تم نشره في الجمعة 4 آذار / مارس 2011. 03:00 صباحاً

 إن كل من قرأ رواية "عمارة يعقوبيان"، التي نشرت في العام 2002 للمؤلف المصري علاء الأسواني، سوف يدرك أن الثورة في مصر حدث تأخر كثيراً وطال انتظاره. فما كان قارئ الرواية ليندهش من السهولة التي فَرَّ بها نظام حسني مبارك الفاسد المتعملق، وما كان ليندهش أيضاً إزاء الشجاعة وروح النضال التي تحلى بها هؤلاء الذين هندسوا لهذه القطعة غير العادية من التاريخ.

لنبدأ أولاً بالمهم: إنها رواية مسلية للغاية وتحمل في طياتها قدراً عظيماً من الوعي والإدراك، وتدور حول شخصيات تقطن عمارة سكنية فاخرة في القاهرة (وهي موجودة بالفعل)، وتسكن بعض شخصيات الرواية أكواخاً حقيرة على سطح هذه العمارة. ومثلها مثل فندق "ماجيستيك" الآيل للسقوط في رواية "متاعب" للكاتب جيه. جي. فاريل، التي تحدثت عن نهاية الحكم البريطاني في أيرلندا الجنوبية، فإن عمارة يعقوبيان كانت بمثابة مجاز للدولة، وسكان هذه العمارة هم شخصيات تمثل جوانب مختلفة من مصر تحت حكم مبارك.

وأنا أظن أن القائمين على الرقابة لا يتمتعون أبداً بحس الدعابة، وأن هذا النوع من السخرية والتهكم كان أعلى من إدراكهم الفكري. بيد أنني لم أتعجب من عدم حظر رواية عمارة يعقوبيان في مصر -أو في البلدان العربية- التي تحولت في وقت لاحق إلى فيلم نال إقبالاً شعبياً واسع النطاق. لقد تحدث الأسواني إلى قرائه بوضوح تام عن العيوب التي شابت مصر الحديثة، في حين برهن لهم أيضاً على أن أهل القاهرة، على الرغم من الذراع الثقيلة للأجهزة الأمنية، يتمتعون بشخصية قوية متكاملة وفِطنة حَضرية ناشطة ومشاكسة.

الآن، وبعد انهيار دولة "يعقوبيان"، فإن السؤال الأكثر إثارة للاهتمام ليس "لماذا حدث ذلك؟"، بل "لماذا لم يحدث ذلك من قبل؟".

لسنوات طويلة، كنا نحن في الغرب -عار علينا- نتحدث عن نشر الديمقراطية في مختلف أنحاء العالم، ولكننا باستثناء بعض صفعات رقيقة من حين إلى آخر على معاصم الطغاة العرب، كنا نتقبل بلا نقاش فكرة الاستثناء العربي من الرغبة في الحرية ومساءلة الحكام. لقد سمحنا للقولبة الثقافية النمطية المريحة بدعم ما توهمناه سعياً مشروعاً لحماية مصالحنا الوطنية.

وعلى الرغم مما أشارت إليه أبحاث مراكز مؤسسة "بيو" لاستطلاع الرأي من أن تطلعات الشعوب في الشرق الأوسط كانت مماثلة لتطلعات الشعوب في أي مكان آخر من العالم، فإن العديد منا كانوا يلوذون بوهم مريح مفاده أن المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة غير قادرة على إدارة الديمقراطية وغير راغبة في الديمقراطية من الأساس. ألم يذهب أي منا لزيارة تركيا أو إندونيسيا؟

لقد تجنبنا بهذا الموقف المريح الطعن في الأنظمة الاستبدادية أو تأنيبها وتقريعها. فضلاً عن ذلك، ولأن هؤلاء الحكام كانوا حريصين على عدم إثارة الكثير من الإزعاج السياسي بشأن إسرائيل وممارساتها، فقد بات بوسعهم أن يحصلوا على مقاعد وثيرة على موائدنا. ولم يكن لزاماً عليهم أن يحبوا إسرائيل، شريطة التزامهم بموقف غير وقح للغاية إزاء انحياز أميركا الواضح لإسرائيل ورفضها الإقرار بأن الإصرار على حق إسرائيل غير القابل للمصادرة في الوجود ليس كمثل السماح لها بأن تفعل ما تشاء بلا حسيب أو رقيب.

إن العديد من العرب كانوا يدركون تمام الإدراك ما يعيب منطقتهم. ففي أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، نشر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تقريرين من إعداد موظفين حكوميين وأكاديميين عرب قاموا بمراجعة وفحص العوامل الكامنة وراء الركود الاقتصادي في العديد من بلدان الشرق الأوسط. وفي العديد من هذه البلدان، وجد الباحثون أن دور المرأة كان مهمشاً إلى حد كبير (ولو أن هذه ليست الحال في تونس إحقاقاً للحق)، وأن التعليم تهيمن عليه اتجاهات دينية، وأن الحكومات استبدادية وغير خاضعة للمساءلة وفاسدة.

وعلى الرغم من كل الاحتياطات المختزنة من النفط والغاز تحت رمال الصحارى، فإن النمو كان متخلفاً، وارتفعت معدلات البطالة إلى عنان السماء. وفي مختلف أنحاء المنطقة رأى الشبان والشابات آمالهم تتبدد، فلاذوا في بعض الأحيان بالإسلام المتطرف باعتباره البديل الوحيد للدولة القمعية.

ولكن ما الذي قد يحدث الآن؟ حسنا، ربما كان علينا نحن الذين نعيش في ظل أنظمة ديمقراطية أن نقاوم على سبيل البداية كل المقترحات التي قد تزعم في المستقبل أن هذا البلد أو ذاك محصن ضد سحر الحرية، وحكم القانون، والحكومة التمثيلية. وإن لم يكن هناك ما قد نطلق عليه "الاستثناء العربي"، فلا وجود أيضاً "للاستثناء الصيني" المزعوم.

وعلى نحو أكثر مباشرة، يتعين علينا نحن في الغرب أن نتجنب الاستغراق في وهم مضلل مفاده أننا كنا على نحو أو آخر الرواد الأبطال الذين ساهموا من وراء الكواليس في إحداث التغيير الجوهري في تونس ومصر. وبدلاً من المبالغة في الحديث عن لعبة الديمقراطية -وهو ما قد يكسبنا احتقار العرب المبرر- فيتعين علينا أن نقدم بكل تواضع وسخاء المساعدة العملية فيما يتصل بتحويل هذه البلدان إلى مجتمعات أكثر انفتاحا.

كان الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، بخيلاً فيما يتصل بدعم جهود تنمية حكم القانون، والارتقاء بعمل الشرطة، والمؤسسات التمثيلية في العالم العربي، على الرغم من الاتفاقيات التنموية والسياسية المبرمة بين بلدان الاتحاد الأوروبي وبعض البلدان العربية. وبالنسبة للبلدان الراغبة في الحصول على مثل هذه المساعدات، فهناك الكثير من الأموال في جيوب الاتحاد الأوروبية لتغطية مثل هذه التكاليف.

ويتعين علينا أن نفهم أيضاً أن المناخ قد تغير فيما يتصل بـ"اللاعملية" التي فشلت فشلاً ذريعاً في تحقيق السلام في الشرق الأوسط. والواقع أن تقاعس إسرائيل في السنوات الأخيرة عن التفاوض بالقدر اللازم من الجدية والمسؤولية مع الفلسطينيين يعني أنها سوف يكون لزاماً عليها الآن أن تنظر ملياً في خياراتها الدبلوماسية على خلفية العالم العربي الجديد، حيث تصبح الحكومات ملزمة بالإصغاء بقدر أعظم من الاهتمام إلى وجهات نظر مواطنيها فيما يتصل بقضية فلسطين.

لقد دأب القائد العسكري الأميركي في أفغانستان الجنرال ديفيد بترايوس، وغيره، على لفت الانتباه إلى التأثير المدمر للانحياز الأميركي المفرط لإسرائيل على المصالح الأميركية في بعض المناطق الأشد حساسية على الصعيد الجغرافي السياسي في العالم. وربما ينجح هؤلاء الآن في اكتساب القدر الذي يستحقونه من الإنصات.

على الرغم من كل الكآبة التي انتهى بها العام 2010، فإن العقد الجديد من القرن الحادي والعشرين بدأ بمثال مجيد لشجاعة الروح البشرية التي لا تمل ولا تكل. لا شك أن ما يحمله المستقبل القريب من تحديات لن يكون سهلا، ولكن بوسعنا أن نراهن على أن المستقبل سوف يكون أفضل وأكثر أملا.

* رئيس جامعة أكسفورد وكان آخر حاكم بريطاني لهونغ كونغ.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق