إبراهيم غرايبة

الاستثمار في أسلوب الحياة

تم نشره في الجمعة 4 آذار / مارس 2011. 02:00 صباحاً

نحتاج حتى لا نصاب بعزلة عن الواقع، كما يوصف العقيد القذافي، إلى شغل عميق ومتواصل في التحولات العميقة الجارية والإعلام الجديد المتشكل حول الشبكة. ويساعدنا المفكر الاقتصادي جيرمي ريفكن في ملاحظة تحويل منظومة الاقتصاد الجديد والوقت الإنساني والتجارب المعاشة إلى سلع، وتُملأ كل دقيقة نستطيع توفيرها من وقتنا بأحد أنواع الارتباط التجاري، ما يجعل الوقت ذاته أكثر الموارد ندرة. ويمكن هنا ملاحظة المجالات والتقنيات والأسواق التي تعمل أربعا وعشرين ساعة في اليوم، الإنترنت، والفيسبوك، وتويتر، والبريد الصوتي، والموبايلات، والأسواق التجارية، وقنوات البث التلفزيوني، والخدمات المصرفية الآلية، وخدمات الطعام.

إن الاقتصاد المعتمد على الشبكات يزيد في الحقيقة سرعة الاتصال، ويقصر الفترات، ويحسن الكفاءة، ويجعل الحياة أكثر ملاءمة بتحويل كل شي يمكن تصوره إلى خدمة. ولكن عندما تصبح معظم العلاقات علاقات تجارية، وتحول حياة كل فرد عبر ساعات اليوم كله إلى سلعة، فماذا يتبقى للعلاقات ذات الطبيعة غير التجارية، أي العلاقات المستندة إلى القرابة أو الجيرة أو الاهتمامات الثقافية المشتركة أو الانتماءات الدينية أو التميز الاثني أو الارتباطات الأخوية والمدينية؟ فحين يكون الوقت نفسه مباعا ومشترى، تصبح حياة الفرد ذاتها مجرد سلسلة متناهية من العلاقات التجارية، تربطها اتفاقيات وأدوات مالية، فماذا سيحدث لأنواع العلاقات المتبادلة التي تنبع من العاطفة والحب المتفاني؟

إن حقيقة أن محترفي التسويق والشركات منشغلون بجدية في تطوير ما يدعونه علاقة حميمية مع الزبائن وبعيدة المدى، ويفعّلون التجارب مع مجموعة من الوسائل والمسارات لتأسيس "ارتباطات للمجموعات" تتصف بالعمق، أمر مقلق بما فيه الكفاية، وما يزيد على ذلك إقلاقا أن هذه الفعاليات واسعة المدى لاختلاق عامل اجتماعي بديل مدسوس داخل غلاف تجاري، تسير قدما وهي غير ملحوظة، وغير منتقدة بالرغم من المترتبات الواسعة والبعيدة المدى الكامنة فيها، والتي ستؤثر في المجتمع. وعندما تصبح كل واجهات كينونتنا تقريبا فعاليات مدفوعة الثمن، تغدو حياة الإنسان نفسها المنتوج التجاري الأساسي، ويصبح العالم التجاري الحكم النهائي لوجودنا الشخصي والجماعي.

يقول ريفكين إننا نهيئ أنفسنا لمرحلة جديدة من الرأسمالية، وهي من عدة نواح لا تشبه أي شيء عرفناه سابقا. فولادة اقتصاد الشبكات، والانتفاء المستمر بانتظام لمادية البضائع، والأهمية المتضائلة لرأس المال المادي، وعلو شأن الموارد غير الملموسة، وإعادة تشكيل السلع إلى خدمات صرفة، وانتقال المستوى الأول للتجارة من المنظور الإنتاجي إلى المنظور التسويقي، وتحويل التجارب والعلاقات إلى سلع... كلها عوامل في إعادة الهيكلة الجارية على مستوى الاقتصاد العالمي عالي التقنية، في حين بدأ جزء من البشرية يترك الأسواق وتبادل الأملاك وراء ظهره خلال رحلته إلى عصر الوصول.

ibrahim.ghraibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لسنا كلنا تجارا (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الجمعة 4 آذار / مارس 2011.
    قال السيد المسيح ، ليس بالخبز وحده يحيا الأنسان .وثم لسنا كلنا تجارا .فلو كنا ، فمن سيعلم في المدارس ؟، ومن سيخبز الخبز؟ ، ومن سيأتي بالحليب ؟ ومن سيأخذ الزبالة ؟ من سيصلح لنا المجاري عندما تتعطل ، ومن سيعمل في البناء ؟ ومن ؟ ومن ؟ ومن ؟
    ممكن أن يكون المواطن صانع أحذية ، فالتقنبات الجديدة والعصرية ستفيده في صناعته وعمله وتقدمه ..أما أن تصبح اصابعنا دوما على اجهزة تلفوننا في معظم اوقاتنا ، فهذا سيقتل الحياة الأجتماعية ، والحياة التخاطبية والحياة الأسرية ، ونصبح كلنا الات مبرجمة لا حس فيها ولا حياة