ياسر أبو هلالة

حكومة الشرق الليبي أفضل من الجماهيرية العظمى

تم نشره في الخميس 24 شباط / فبراير 2011. 03:00 صباحاً

لنفترض السيناريو الأسوأ؛ ليبيا ستقسم. هذا ما هدد به العقيد في نوبة الصرع التي شاهدناها على الشاشات. لا شك أن أي جزء من التراب الليبي يحرر من الطغيان الجنوني سيكون أفضل بكثير من المناطق التي تنعم من أربعة عقود بـ"الأمن والاستقرار". فتلك العقود العجاف دفع كلفتها بالأساس الإنسان الليبي طفلا وكهلا. وتوزعت الكوارث على البشرية اغتيالات وتفجيرات وعنفا أعمى لم يستثن أحدا. وسيكون من فوائد سقوط الطاغية كشف كثير من الجرائم، سواء في داخل ليبيا أم خارجها.

وما تبدى من جرائم العقيد في أيام الثورة ليس سوى عينة بسيطة تعبر عن سلوكه الجرمي خلال سنوات حكمه.

بنغازي اليوم والمناطق المحررة تنعم بالحرية والكرامة والعدالة والنظافة، وفوق ذلك النظام، وهو ما ظل مفقودا منذ انقلاب القذافي. والناس في ليبيا تعلم، من دون إعلام ومن المشاهدة المباشرة، أن حالها تحسن بمجرد التخلص من الورم السرطاني. وتلك المناطق لن تكون بوابة الانفصال قريبا أو بعيدا، على العكس ستقدم نموذجا جاذبا لا يقارن بنموذج القذافي الذي لا يمكن لعاقل أن يرضى به. غير أن ذلك لا يمنع سيناريو الانقسام مؤقتا، وهو ما تم في الأيام الماضية. وقد يطول بحسب القوة القبلية والعسكرية المتبقية بيد النظام المعزول.

ستكون حكومة الشرق الليبي شرعية محليا ودوليا، أما القذافي فسيكون نظاما معزولا أو فلولا متناثرة لم تتمكن في أربعة عقود من إقامة دولة، فكيف تقيمها اليوم؟ يحذّر القذافي من "إمارة إسلامية"، وقد يكون فعلا أقامها بعض الشباب المتحمس في مناطق صغيرة، لكن هل يلام أولئك الشباب الذين لم يعرفوا شيئا عن الدولة الحديثة أم يلام النظام الذي تركهم في فوضى وعنف وإرهاب منذ ولدوا؟ أن يكون لشارع أو حي أو مدينة "أمير" من أهل الصلاح والشجاعة الذين واجهوا بطش النظام، أفضل من أن يكون معتوهاً فاسدا وجاهلا من "مؤتمر الشعب العام". وفي النهاية سيكون "الأمير" مرشحا في انتخابات نيابية حقيقية في دولة الغد، وستكون الإمارة مجرد ذكريات جميلة من أيام الثورة.

لا توجد ثورات نموذجية في التاريخ، كلها تمر بمراحل فراغ وفوضى. والشعب الليبي الذي صنع الثورة المعجزة قادر على إقامة دولة عادية مثل دول العالم. نحن في العالم العربي نعيد اكتشاف العجلة لأن الطغاة خربوا العجلة. فإلى اليوم، يستشهد القذافي بخطاب ابنه من دون أن يخبرنا بالصفة التي يحكم بها "المهندس" ويقرر في قضايا الدستور والجيش والأمن، وهو لا صفة مدنية ولا عسكرية له. وما قيل فيه يقال في جمال مبارك، ويقال في ليلى الطرابلسي. وقل أن تجد بلدا عربيا طبيعيا مثل دول العالم. الحياة في شرق ليبيا اليوم طبيعية، غير الطبيعي هو ما كان في ليبيا حتى الثورة.

yaser.hilila@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »التقييمات لا شعورية (احمد من عمان)

    الخميس 24 شباط / فبراير 2011.
    بعيدا عن التنظير فانه ليس في كل مرة تسلم الجرة ورغم السوءالذي تمتع به نظام الجماهيريه بشخصه واتباعه فان التقييمات التي زادت عن ثمانين تقييما لا تقف في صف الكاتب بدعوته غير المباشرة للقبول بالانقسام وارجو ان لا تزيد الخسائر عن حجمها الحالي وان درس الثورة الليبية اقسى بكثير من سابقتها مما يستدعى درس الخروج على الانظمة من قبل العلماء مرة اخرى وبروية اكثر وبدون عواطف
  • »مكونات الدولة العربية الحديثة (خالــد الشحــام)

    الخميس 24 شباط / فبراير 2011.
    تحية لك سيد ياسر بعد هذا الغياب ، وشكرا لمقالك .

    كل مواطن عربي يقبع الان في موقع مستقر يستطيع تشكيل انطباع أولي وسريع حول طبيعة مكونات وقصة الدولة العربية المعاصرة التي عملت الأحداث المتفاعلة على تعريتها بسرعة وكشف المستور الذي كنا نسمع به ولكن قلوبنا لم تؤمن حتى رأت .

    تتربع الدولة على ثروة موجودة اصلا إما نفطية او سياحية و كل ما عدا ذلك من أشكال الدخل القومي مغيب ومحيد فلا صناعة ولا انتاج علمي ولا ما يحزنون فإذا ذهب النفط او بعض الحجارة دخلنا بوابة الفقر والتسول من أوسع ابوابها ، مقدرات هذه الثروات المؤقتة تتوزع على مجموعة محددة من الأفراد يمثلون الحاكم العربي المتفرد وبقية عائلته وتنال البطانة بعض الفتات ويمكن أن ينال الشعب ذرات من الفتات .

    الجيش هو مؤسسة صورية شكلية تم انزال معاييره إلى الحد الأدنى ، أسلحته صدأت وجنرالاته فقدوا الرؤية القومية والاستراتيجية منذ عقود وهم أقرب لمجلس الحكماء الأليف الطاعن في السن و المخصص لفزعة الزعيم عند الضرورة وبالتأكيد فالأسلحة الموجودة تعود لحقبة الحرب العالمية الثانية ، الاعلام بكامله وطاقمه وعدته وعتاده معد ومجهز لملاحقة الحركات العضوية للزعيم وترجمتها إلى أفعال تخدم الديموقراطية والحرية و ايماءاته وكلماته القليلة المتعثرة تفسر على أنها قوانين وتحتاج عقد المجالس للخروج منها بشيء مفيد واعادة شرحها للجمهور على أنها ثوابت كونية ، حفلاته الخاصة تصور على أنها السهر ليلا لمتابعة الرعية البائسة والمكابدة وراء مصالحهم.

    مؤسسات الدولة وابنيتها وتوابعها والمخصصة لخدمة الشعب هي بقايا أثرية يشوبها التآكل والهرم الزمني والبشري تؤدي دورها بما يقع تحت خانة تمشية المطلوب أو تسيير الأحوال كما يقولون مؤقتا لمدة ثلاثين أو اربعين سنة وربما اكثر ولم تلق اي شيء من الصيانة والرعاية طيلة السنوات ، ولذلك يكون تفككها عند السقوط أمر مسلم به تحت أدنى ضغط.

    المشهد الأكثر طرافة في الموضوع هو طبيعة مراقبة باقي الدول العربية للدولة التي تعبر مرحلة مخاض ما قبل الولادة الجديدة ، فالكل صامت بأدب منقطع النظير ويده على قلبه ويدعو للمريضة بالثبات والعبور بالسلام حتى لا تكون فألا سيئا أو وسطا أثيريا ناقلا للحدث إلى أرضها ، وبالتالي من العلامات والميزات الإضافية للدولة العربية المعاصرة أنها فاقدة لدورها الاقليمي والجيوسياسي ناهيك طبعا عن كل المزايا أنفة الذكر.

    الميزة الأكثر أهمية تقع في المكان الذي لم نتوقع أن الحياة توجد فيه وفقدنا الثقة بأهميته وبقدرته على صنع التاريخ أو الفعل ولكن ثبت أنه أكثر المزايا تأثيرا واكبرها قدرة وهو الشعب