منار الرشواني

القضية الفلسطينية.. الغائب الحاضر في الثورة المصرية

تم نشره في الاثنين 21 شباط / فبراير 2011. 02:00 صباحاً

 
عمان- بالنظر إلى المطالب والشعارات التي رفعت إبان الثورة المصرية على نظام الرئيس السابق حسني مبارك، لا يبدو أن ثمة مفاجأة فيما انتهى إليه استطلاع للرأي تم إجراؤه خلال تلك الثورة، وتحديداً في الفترة 5-8 شباط (فبراير) الحالي على عينة عشوائية بلغ مجموعها 343 مواطناً مصرياً في مدينتي القاهرة والاسكندرية.

وبحسب نتائج الاستطلاع الذي أجرته مؤسسة بكتر لاستطلاعات الرأي في الشرق الأوسط، بتمويل من معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، احتل كل من "سوء الأوضاع الاقتصادية" و"الفساد" و"البطالة" قمة الأسباب المحركة للثورة، بنسب بلغت 22 % و21 % و17 % على التوالي.

أما فيما يتعلق بالعوامل الخارجية، المستمدة من البيئتين الإقليمية والدولية، فلم تزد نسبة من اعتبروا العلاقة الوثيقة بين النظام المصري (السابق) وإسرائيل أحد أسباب الثورة المصرية عن 5 %، بل وذهب 37 % من المستطلعة آراؤهم إلى التعبير عن دعمهم لاتفاقية السلام المصرية-الإسرائيلية مقابل 22 % من الرافضين لها.

ولعل المفارقة التي يُظهرها الاستطلاع أن نسبة أعلى بلغت 8 % اعتبرت أن أحد أسباب الثورة هو العلاقة الوثيقة بين النظام المصري (السابق) والولايات المتحدة، رغم أن 36 % (مقابل 29 %) من المستطلعين اعتبروا أنه يتوجب على مصر الحفاظ على علاقات جيدة مع الولايات المتحدة.

وإذا كان الاستطلاع السابق لا يوضح الخصائص الاجتماعية أو التعليمية لأفراد العينة، مع حقيقة أن المشاركين في الثورة المصرية قد توزعوا على طبقات المجتمع وألوان الطيف السياسي كافة، فلعل من الملفت فعلاً اتساق الإجابات السابقة مع معطيات تحكم السياسة الخارجية المصرية تجاه الولايات المتحدة، وتالياً وبالضرورة، تجاه إسرائيل.

فمنذ العام 1979، عقب توقيع اتفاقية السلام المصرية-الإسرائيلية، باتت مصر ثاني أكبر متلق (بعد إسرائيل) للمساعدات الأميركية، الاقتصادية والعسكرية، بمعدل سنوي بلغ ما يزيد عن 2 بليون دولار أميركي.

ورغم التراجع المتواصل في حجم هذه المساعدات منذ العام 2004، لتصل أدنى مستوياتها عامي 2009 و2010 (كما العام 2011) بحيث بلغت حوالي 1.55 بليون دولار أميركي سنوياً، إلا أن ما تجدر الإشارة إليه، لاسيما مع تسلم الجيش زمام القيادة عقب تنحي الرئيس مبارك، هو أن التخفيض في الحجم الكلي للمساعدات الأميركية كان يطال المساعدات الاقتصادية فقط وليس العسكرية، إذ بقيت هذه الأخيرة عند مستوى 1.3 بليون دولار سنوياً.

وفي ذات السياق، تحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى في تجارة مصر الخارجية، بفائض بلغ 3.13 بليون دولار للجانب الأميركي في العام 2009. وفيما تعد مصر أحد أكبر أسواق العالم للقمح والذرة الأميركيين، تعد الولايات المتحدة ثاني أكبر مستثمر أجنبي في مصر، وتحديداً في قطاع النفط والغاز.

وإزاء هذه المنافع، أو التبعية بعبارة أدق، ولمّا كانت الأولوية لنظام الحكم المصري القادم هو الاستجابة للمطالب المعيشية لأغلبية الشعب المصري، يبدو بدهياً استنتاج أن السياسة الخارجية المصرية تجاه كل من الولايات المتحدة وإسرائيل ستكون، في ظل المعطيات الحالية، بعيدة تماماً عن أي تغيير ثوري مفاجئ، بغض النظر عن هوية النظام الجديد، وحتى في حال إدماجه حركة الإخوان المسلمين ذاتها في عملية صنع القرار.

لكن إذا كانت إسرائيل تعرف كل ذلك وأكثر حتماً، فلماذا يجب أن يعاني ساستها الهلع من إسقاط النظام المصري السابق؟.

أول أسباب الهلع الإسرائيلي الواجب والمحق هو التغيير بحد ذاته في مصر، وأهم من ذلك أسلوب تحقيقه.

فبعد التونسيين مطلقي الشرارة الأولى، عاد المصريون أيضاً للتأكيد للعالم على أن الحرية والحياة بكرامة، بكل أبعادها، مطلب الشعوب العربية، بإلحاح لا يقل عما لدى شعوب الأرض كافة.

أما المذهل فعلاً، فهو أن الشعب المصري المسحوق فقراً، مع كل ما يفترض أن يتبع ذلك من آفات اجتماعية وقيمية، أظهر انضباطاً ورقياً ووحدة دينية في ثورته تكاد تستعصي على الفهم إلى الآن، إلا أن تكون المبالغة في الصورة النقيضة صناعة حكومية من قبل نظام سياسي حافظ على استمراره وشرعيته –الخارجية تحديداً- باعتماد مبدأ الترهيب من بديله.

والخلاصة لهذين العاملين هي سقوط مقولة "أمة لا تُحكم إلا بالسيف"، وانتهاء صلاحية استخدامها مبرراً من قبل الأنظمة المستبدة بشعوبها، وتالياً من قبل إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني.

وإذا كانت إسرائيل قد نجحت عقب هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001 في إدماج سياساتها القمعية ضد الفلسطينيين ضمن حرب الرئيس الأميركي السابق جورج بوش على "الإرهاب"، فإنها اليوم تعاني النقيض تماماً. ومن المنطقي توقع أن تعاني إسرائيل حالياً أسوأ أيام عزلتها دولياً، لاسيما إذا ما نجح الفلسطينيون "الموحّدون" في استثمار المعطيات الجديدة في أسلوب كفاحهم ضد الاحتلال والاستيطان الإسرائيليين.

السبب الثاني للهلع الإسرائيلي يأتي من "مصر ما بعد مبارك"، أياً كان شكلها أو مواصفاتها. فـ "مصر ما بعد مبارك" تعرف أن لا جدوى بعد اليوم من البحث عن شرعية "مزيفة" من الخارج، وأن الشرعية الحقيقية تتأتى فقط من المواطنين الذين يجب الاستماع إلى صوتهم دائماً، فيما يتعلق بالسياسة الداخلية والسياسة الخارجية على حد سواء.

وإذا كانت إسرائيل، آخر دولة احتلال استيطاني في العالم ربما، تعاني أزمة بسبب ذلك مع دول العالم كافة، فكيف سيكون حالها مع مصر العربية التي حملت رسمياً يوماً ما، ومازالت شعبياً، لواء القومية العربية وفي القلب منها فلسطين!

ربما هنا يتبدّا التأثير السلبي المقيّد للمؤشرات السابقة على تبعية مصر للولايات المتحدة اقتصادياً وعسكرياً، لكن الحقيقة أن تلك المؤشرات لن تكون أبداً قيداً على دور مصري إيجابي فاعل على صعيد القضية الفلسطينية، ذلك لأن هذا الدور، وبشديد وضوح، مطلب أميركي قبل سواه، على صعيد القضية الفلسطينية كما سواها من القضايا ذات التأثير المباشر بالمصالح الأميركية الحيوية في المنطقة.

فكما أظهر الواقع جلياً، فإن الانحدار بمكانة مصر ونفوذها وتأثيرها الإقليمي كمحصلة نهائية لحكم مبارك لم يخدم مصالح الولايات المتحدة في المنطقة على الإطلاق، بل العكس هو الصحيح تماماً.

فإضافة إلى جعل "مصر مبارك" عبئاً وعالة على الولايات المتحدة بدل أن تكون رصيداً لها، أدى هذا الانحدار إلى فقدان مصر دورها الموازن للتهديد الإيراني من وجهة نظر أميركية.

وحتى في حال الخلاف على حدود الدور المصري المستعاد، فلابد من التأكيد أن مصر بسكانها وجغرافيتها ودورها التاريخي تبقى فاعلاً مؤثراً، إن لم يكن حاسماً في المنطقة، وأن من مصلحة الولايات المتحدة استيعاب متطلبات الدور الحقيقي لمصر، ما يمنح الأخيرة هامشاً واسعاً للحركة في مقابل قيود فعلية على أي محاولة ابتزاز أميركية، أو إسرائيلية من ورائها.

ولعل القضية الأساس اليوم لا تتعلق أبداً بإلغاء اتفاقية السلام المصرية-الإسرائيلية، لأنه حتى في ظل هذه الاتفاقية من الممكن، بل ومن المتوقع للأسباب السابقة، رؤية مصر أكثر فاعلية من "تركيا حزب العدالة والتنمية" التي مازالت تحتفظ بعلاقات دبلوماسية مع إسرائيل لكنها باتت من أكبر داعمي القضية الفلسطينية، بغض النظر عن دوافعها.

القضية الأساسية فعلياً هي في الحرية التي ينالها المصريون، والتي ستكون أكبر عون للفلسطينيين، ونقيضاً مشرقاً لسياسات الأنظمة الاستبدادية التي تاجرت بالقضية الفلسطينية، من دون أن تحرر زيتونة أو ترجع ليمونة.. بل وصنعت لتاريخ العرب عاره.

manar.rachwani@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »حرية مصر أمل لحرية فلسطين (سناء قدري)

    الاثنين 21 شباط / فبراير 2011.
    تحليل راقي ومهم ونضيف إليه أن شعب مصري حر أقدر على دعم شعب فلسطيني مقهور على انتزاع حريته من المستبد الاسرائيلي.
    النموذج المصري في مقاومة الاستبداد سينسجم مع النموذج الفلسطيني السلمي لمقاومة الاحتلال والأقدر على تعرية وجه الاحتلال وعزله.