أشهد أني قد عشت

تم نشره في الأحد 13 شباط / فبراير 2011. 03:00 صباحاً

الآن، وبلا مقدمات تعيد ذاكرة هذا الولد الشقي إلى كتان وصفيح المخيمات، وتفتح جرح ذاكرته على هزائم لا تعد ولا تحصى، يجلس الولد الشقي نفسه أمام شاشة قناة الجزيرة، لعدة أسابيع، باحثا عن انتصار واحد، وإذا به يحظى بانتصارين، لم يتوقع حدوثهما وهو على قيد الحياة، بعد أن قارب عمره نصف قرن.

من مكانه الصغير في بيته الذي تخلى فيه عن الكتان والصفيح، يرى سقوط صنمين عربيين، ولغا في دم شعبيهما، واستهترا بأمتهما، لتهزه الفرحة والنشوة وكل المشاعر التي ترتكب بمثل هذا الحب، ذاك الذي لم يتعوده، هو وجيل كامل من أترابه، تربوا على الخوف والقهر والقمع والصمت والحذر والانتظار والترقب والانكسار.

تونس ومصر.. في غضون شهرين قمريين، يتفتح ورد الجنائن في ميداني بورقيبة والتحرير، وتتهشم أمام عقارب ساعته التي تتوقف كثيرا، غصات كثيرة، ليحط طائر الفينيق بجناحيه الكبيرين على روحه، وليمنحه قبسا من نور الثورة، وليتوقف لشهرين كاملين عن كل شيء، إلا الهتاف في ميادين العواصم العربية، وليغدو في ومضة انتشاء، أرِقا مسكونا حتى في أحلامه بالأمل، بعد أن كان مصعوقا بالكوابيس والعتمة.

لم تسعه الفرحة وهو يتجول بعينيه الصغيرتين في مدائن الحلم الثائر، تلك التي ترفع علم فلسطين في كل مكان، بدءا من القلب وحتى سهوب الروح. كانت مدن الثورة وشهداؤها في تونس ومصر تطلق إحدى وعشرين طلقة في كل ثانية للنصر القادم على شهقة ضوء حر، نظيف، مخلص لأمله في حياة جديدة، تعيد للأمة قلبها وروحها ووحدتها وأحلامها بالتقدم والرفاه والنصر.

ولأول مرة، بعد أن لوح بيديه الصغيرتين للجيوش الماضية بأرتالها إلى جبهات القتال، لتعود منكسة الرايات، يلوّح بيديه الكبيرتين للثوار، طلبة الجامعات، ومرتادي الأثير، وهم يكتبون التاريخ الذي عجز هو عن المشاركة في كتابته بيديه، ليكتبه معهم بفرحته وانتشائه وقلبه.

في تونس كان في ميدان بورقيبة. حيا محمد البوعزيزي، وخط دفقة شعر لروح نبي الثورة. وفي الإسكندرية، في قاهرة المعز بميدان التحرير، انحنى لروح خالد سعيد، ملاك الثورة، ورفع فوق ساري "بلاد العرب أوطاني" أول رايات الحلم بأمة لن ينحني ظهرها بعد هذه المرة، وستنظف شوارعها وميادينها من القمع والصمت والاستخذاء والعقلانيين الذين باعوها قطعة قطعة للعدو، لكن روحي النبي والملاك ألقت بهم في مكبات التاريخ.

كل هذا شاهده قبل أن ينحني ظهره. وكل هذا سيتدفق في قصيدته الجديدة، وهي تستعيد روحها، وتنهب السهوب والجبال والصحارى نحو بوابات الانتصار للإنسان الذي يرقص في داخله انتصارا.

الآن، والآن فقط، يتلمس الولد الشقي شعر رأسه الذي يبيّض، ويصرخ في كل الميادين: الطاغية هرب.. بلادنا حرة.

والآن، أشهد أني قد عشت.

ghazi.altheebh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »بلاد العرب أوطاني (هناء)

    الأحد 13 شباط / فبراير 2011.
    رفع فوق ساري "بلاد العرب أوطاني" أول رايات الحلم بأمة لن ينحني ظهرها بعد هذه المرة، وستنظف شوارعها وميادينها من القمع والصمت والاستخذاء والعقلانيين الذين باعوها قطعة قطعة للعدو، لكن روحي النبي والملاك ألقت بهم في مكبات التاريخ.
    رائع جدا ...سنغني سوية :- بلاد العرب أوطاني
    من الشام لبغداد
    ومن نجد إلى عدن ومن مصرفتطوان

    نحن نقدم جزيل الشكر لكاتب الموضوع على ذلك الطرح الذي لا يوصف بالرائع فقط بل هو أكثر من رائع
  • »ما زلت عل قيد الحياة (doaa)

    الأحد 13 شباط / فبراير 2011.
    كنت اتنفس من غير وجود لي فاطلقت انفاسي الصعداء بفرحة لامعة كانت مقيدةوزالت قيودها بصقل خارق دائم........... حرر الجميع من حدود كان الصمت واقعها...............
  • »ما اجمل ان نعيش هذا النصر (رزان حمزة الزعبي)

    الأحد 13 شباط / فبراير 2011.
    اشكر الكاتب غازي الذيبية على هذا المقال الرائع .
    لقد اعجني عنوان المقال كثيرا فقد سمعت من والداي ما يندرج في نفس السياق " الحمد لله الذي عشنا حتى نرى هذا اليوم ".
    تبادر الى ذهني الكثير من الاسئلة لعل اهمها لماذا لم تغيير اجيالكم مثلما غيرت اجيالينا ؟
    اجابني والدي : انني انحني لجيلكم تقديرا واحترام ، هذا الجيل الذي حدد وخطط ونفذ ما يريد
    صنع وكتب تاريخه بيده واصبح نموذجاعربيا واقعيا .
    كنا يا بنيتي نتغنى بالمهاتما غاندي ونعجب بتشي جيفارا اما الان فقد صنع شباب التغير ابطالنا نحن بتوقيع عربي ، اصبح بطلنا خالد سعيد ومحمد البوعزيزي واصبحت ثورتنا ملكا لنا نضرب بها اروع الامثال على وعي سياسي وفكري عربي بامتياز .
    اما عن سؤالك لماذا لم نستطع التغير فانني اقول لك ودنما استحياء ان فلسفة التربية التي تربينا عليها تختلف اختلاف كليا عن فلسفة التربية التي اردتموها لانفسكم . لقد نشانا على القمع وتكميم الافواه "وامشي الحيط الحيط ويله الستر " من الاسرة اولا ثم المجتمع ثم الدولة واستمرت بنا الايام دون رغبة منا بالتغير حتى اقنعنا انفسنا بالرضا عن واقعنا الذي نعيشه ولعل اقصى امنياتنا ان يغير الله الاحوال الى الافضل .
    لكنكم عندما اردتم ، غيرتم وعندما صدقتم الله صدقكم لان الله تعالي يقول: " لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم " لقد انتهت فلسفة التربية القديمة وعشنا حتى راينا فلسفتكم الجديدة الرائعةالتي قلبت الموازين . وجعلتنا نشعر بان لنا قيمة ونستطيع صنع قراراتنا . ما اجمل العيش في هذا الوقت والحمد لله اننا عشنا حتى نراى ما كنا نحلم برؤيته