د.باسم الطويسي

حفريات مصرية معاصرة

تم نشره في الأحد 13 شباط / فبراير 2011. 03:00 صباحاً

سوف يُكتب الكثير حول ما حدث في مصر؛ عن الأيام المجيدة التي قادت إلى انتصار واحدة من أنبل ثورات التاريخ المعاصر، سيُكتب عن قوى التغيير الجديدة، عن الكيمياء التي جمعت الناس وألّفت بينهم، عن أسرار اللحظات الأولى التي بذرت بذور التغيير في أرض خصبة، وعن أسرار اللحظات الأخيرة التي استماتت في الصمود السلمي، عن الملحمة المدنية المتحضرة في تصعيد المطالب وممارسة سياسة تفعل الكثير وتقول القليل.

سوف تتجلى تعبيرات مبدعة في نقل التفاصيل الصغيرة في أشواق الناس ولهفتهم للتغيير والانتصار. كم ستكون هذه الثورة ملهمة ليس للانعتاق وانتشار الإنفلونزا العربية الجديدة، بل كم ستكون خلاقة لقيم جديدة، اجتماعية وثقافية وسياسية، خلاقة لمعان جديدة تعبر حدودا شفافة بين المجتمعات والأمم، وملهمة لكل أشكال الإبداع والفنون والتجلي الإنساني الملحمي!

إننا اليوم بحاجة للاشتغال على حفريات مصرية جديدة، ليست حفريات في مقابر الفراعنة ولا في مزارات مصر الفاطمية، بل في بيوت ومعاش المصريين المعاصرين؛ للبحث عن أسرار الكيمياء الجديدة، عن هذا التوق الإنساني العظيم الذي يعيد للبشرية عنفوانها وشيئا من سموها الأخلاقي.

في كتابه المسمى "العرب"، يصل مكسيم رودنسون إلى القول "إن العرب في هذه اللحظة من التاريخ يثيرون أشد الانفعالات عنفاً من أي شعب آخر في العالم". ربما هذه المقولة تهمة جاهزة أخرى، لكن ضعف الاتصال بالزمن والخلوة عن التاريخ لم تدعنا ندقق فيها، ما يعيدنا اليوم إلى ضبطها من جديد؛ إن العرب بالفعل يثيرون أشد الانفعالات في العالم وفي التاريخ أيضا، ولكن بالإرادة قبل العنف، وبالوضوح الأخلاقي الذي يعيد مركز الحضارة الإنسانية إلى قلب الشرق من جديد، من قرطاجة إلى مصر وصولا إلى بغداد.

لم تشهد الكينونة التاريخية العربية في جذرها البعيد على مستوى المعرفة والأسطورة والتاريخ ألوان جنون المستبد التي شهدتها جهات العالم المختلفة، فلم تظهر في الشرق العربي شخصية المتأله، ولم تماثل الأساطير العربية القديمة في مضامينها ما حملته الأساطير الأخرى من شطط المستبد وهيمنته، منذ أساطير الفراعنة الى أساطير بني إسرائيل وحكاية الوصايا العشر وبطش الآلهة في "الإلياذة" وصيفة مانو الملك والقانون في الحضارة الهندية القديمة أو شخصية المستبد الديني في شخص البابا "أنوسنت الثالث" صاحب أول حملة صليبية على الغرب نفسه، وصاحب ومنفذ فكرة محاكم التفتيش التي أوصلها حد التفتيش في ضمائر الناس ونواياهم؛ هذا يعني أي عيون يجب أن نرى فيها الاستبداد المعاصر، وأي حفريات معاصرة يجب أن نحفرها داخل العقل السياسي المستبد والطارئ، ما يؤسس لأمل جديد وحياة أخرى، لم نحيَها نحن هذا الجيل.

العالم اليوم مدعو لتغيير كل أدواته ومضامينه في فهم هذا الجزء من العالم وتحليله. نحن ننتظر موجة جديدة من الحفريات الانثروبولوجية التي ستهجم على المنطقة من جديد، تبحث في الأسئلة الثقافية قبل أن تتلهى بإجابات سياسية، فالأبطال الحقيقيون هم الناس وليست التكنولوجيا ولا الأيديولوجيات، ولا حتى الأديان. الناس يؤسسون للحياة الجديدة، ويعيدون تعريف رأس المال التاريخي مرة أخرى، لكنهم في هذه المرة يبنون السياسة على الثقافة والوضوح الأخلاقي في الانحياز للكرامة والعدل والحرية.

basim.tweissi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عاشت مصر حرة (محمد)

    الأحد 13 شباط / فبراير 2011.
    ارادت ان تكون من جديد مصر الحرة الابية التي نسج شعبها ثورة العصر التي قدمت نموذج ولا اروع لعظمة هذا الشعب وتلاحمة فهم فعلا يستحقون الحياة
  • »زمن الحرية (امل العبادي)

    الأحد 13 شباط / فبراير 2011.
    نحن الان في هذه اللحظة التاريخية ليست ل مصر وحدها بل للامة العربية لقد ازددنا ثقة بانفسنا باننا قادرين على التغيير اذا امتلكنا الارادة
    وان الشعوب قادرة على ان تقلب الطاولة في وجة الظلم والفساد والاستبداد وان تكون الكلمة الاخيرة لهم والحاسمة
    لا استطيع التعبير عن مدى انحيازي للشباب المصري وتقديري لهم لقد اعادوا الحياة والحرية لنا جميعا وفرحنا معهم وكنا نتمنى ان نكون في ميدان التحرير معهم