"ارم حجرا في ماء راكد تندلع الأنهار"

تم نشره في الأربعاء 2 شباط / فبراير 2011. 03:00 صباحاً

الكثيرون ممن استمرؤوا الجلوس في المكاتب المكيفة صيفا المدفأة شتاء، كانوا يعربون عن فقدان املهم في الشعوب العربية وقدرتها على احداث الفارق، بل ان كثيرين حملوا هذه الشعوب مسؤولية ما يحصل لها قائلين "كيفما تكونوا يولى عليكم"، أما عشاق جلد الذات فقد اعلنوا وفاة الشعوب سريريا، فيما كانت القلة التي ما تزال تؤمن بحياة الشعوب تنال الكثير من السخرية والصفعات عبر تاريخ طويل مليء بخيبات الأمل.

ما فعله التونسيون هو أنهم ألقوا بحجر غضبهم وإحباطهم الذي تراكم عبر عقود من الزمن في مياه كان يعتقد أنها راكدة ولا امكانية لتحريكها لكثرة ما القي فيها من نفايات القهر والظلم والفساد، فاذا بهذا الحجر يحرك أنهار الشعوب من الغرب الى الشرق، أنهارا لا يمكن لسدود الحديد المسلح ان تقف بوجهها ولا لقنوات التصريف السطحية ان تغير اتجاهها.

المبهر في الأمر ان الشعوب، وبعكس كثير من الادعاءات، واعية ومدركة لما تريد، فرغم أن كافة حركات الاحتجاج الشعبية التي تابعناها خلال الاسابيع الاخيرة هي حركات بعيدة عن الأطر التنظيمية المعروفة وليس لها رموز او قيادات واضحة، الا انها تعرف جيدا ما تريد، فقد رأينا وما نزال ماذا يريد الشعب التونسي بوضوح وكيف انه لم ينخدع بمجرد اختفاء الرئيس المخلوع، وكذلك الحال بالنسبة للشعب المصري، اما هنا على أرض الوطن، فان ابناء شعبنا قد برهنوا ايضا على مقدار الوعي الذي يحملونه، فابناء الأردن يعرفون هدفهم تمام المعرفة، من دون مزاودة او مبالغة، فهم مدركون للكيفية التي يجب ان تسير عليها الأمور بما يحفظ مصالح الوطن اولا، وهم بالتأكيد اكثر ادراكا لهذه المصالح من الكثيرين ممن يدعون ذلك وهم في الحقيقة لا يدركون الا مصالحهم الشخصية ولو على حساب الوطن.

لقد اصبح من الواضح للجميع، أن أي خيار غير خيار الاصلاح الحقيقي لن يكون مقبولا لدى الشعوب، ولن تنطلي عليهم اي من عمليات التجميل الخارجية التي يحاول البعض تسويقها على انها خطوات على طريق الاصلاح، فالمواطن يفرق تماما بين ما هو حقيقي وما هو مزيف، وأي محاولة لاستغفاله ستكون ردود الفعل عليها قاسية.

الاصلاح الحقيقي هو المفتاح الوحيد لأبواب الأمل المغلقة، وهو الطريقة الوحيدة لاستعادة ثقة الناس، وأي ادعاءات بعدم القدرة على تطبيقه بسبب هذه الحجة او تلك، ما هي الا خطاب مستهلك ملًت أذن المواطن العربي من سماعه، واذا كان الاصلاح حتى الماضي القريب مطلبا للنخب السياسية فانه الان بات مطلبا شعبيا لا يمكن غض الطرف عنه، وعلى كل الأحوال وبغض النظر عن الظروف الحالية، فاننا جميعا نعلم ان بلادنا ومجتمعاتنا لن تتقدم على اي مستوى الا اذا بدأت عملية اصلاح حقيقي شاملة.

اردنيا، اعتقد ان الوقت قد حان لعقد مؤتمر وطني شامل حول الاصلاح بحيث يضم كافة الفاعليات السياسية والاقتصادية ومؤسسات المجتمع المدني والاعلام، على ان يتم من خلال هذا المؤتمر ولجانه تقديم مقترحات عملية بعيدة عن التنظير والمزاودة ولهجة النقد السلبي ليجري حولها حوار جاد يخلص الى توصيات قابلة للتطبيق.

mohammad.alhusaini@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عين العقل (mohammad Mahafzah)

    الأربعاء 2 شباط / فبراير 2011.
    ما شاء الله كلام موزون يا اخي, وفعلا كان الحال غير ذلك في الزمان القريب, لكن سرعان ما تبدلت الاوضاع واعلنت الشعوب انها طرفا مهما في معادلة صنع القرار