زليخة أبوريشة

ثقافة الاحتجاج السلميّ

تم نشره في الثلاثاء 25 كانون الثاني / يناير 2011. 03:00 صباحاً

لا شكّ أنّ المسيرات التي خرج بها الشعب الأردنيّ، على غلاء الأسعار وارتفاع خطّ الفقر، تشكِّلُ – فيما بدت على الفضائيات- نموذجاً رائعاً للاحتجاج السلميّ، وممارسةً راقيةً لثقافته. فلم تتحطم وتتكسّر ممتلكاتٌ عامةٌ أو خاصّةٌ، ولم يناد المحتجّون والمحتجّات بعنف من أي نوع. وهذا بحدّ ذاته –فيما يبدو لي- نقطة تحوُّل حقيقيّ في المزاج الشعبيّ الذي لاحظنا أنه مال إلى العنف في حوادث السّلط ومعان والجامعات. والسبب واضحٌ للعيان، وهو أن الشّعب لم يتجاوز حدوده من جهة، وأنّ الحكومة، متمثّلةً في الأمن، لم تفقد أعصابها.

لقد نجح الشّعبُ في إيصال فكرةٍ جوهريّةٍ إلى الحكومة بشكلٍ سلميّ، من دون اللجوء إلى أيّ تدميرٍ أو مخاطرةٍ بالوطن وأمنه، ومن خلال شعاراتٍ وهتافاتٍ محدّدة، تشكو مُرّ الشكوى مما وصلت إليه أوضاعها الاقتصاديّة بشكلٍ رئيسٍ.

ومع أن الشّعارات قد طلبت رحيل الحكومة التي تعتبرها مسؤولةً عما آلت إليه حالها، إلا أن الحكومة، وبأسلوبٍ حضاريّ، استمعت، واستجابت، ولنرجو أنها وعت الدرس. وهذا –بحدِّ ذاته - تطورٌ إيجابيٌّ في موقف الحكومة، وتغييرٌ في طرق استجابتها وتفاعلها مع الشَّعب الذي ما يزال يطالب بمزيدٍ من المشاركة الديمقراطيَّة في صنع القرار وفي الحكم. ولا يكون ذلك إلا بتوسيع الحريّات وإطلاقها، وعدم الخوف من النقد، وبرفع اليد عن الرّقابة والصّحف ووسائل الإعلام والفضائيّات الخاصّة.

ذلك أنّ المختلف عن الحالة التونسية أنّ الشعبَ لا يسائلُ النظام ولكنَّه ينتقدُ، سواء في مجالسه الخاصّة أم العامّة، الحياة اليوميّةَ للناس ومصائرهم التي تقرّرها حكوماتٌ رائحةٌ وحكوماتٌ قادمة!

فالأمور في الأردن واضحةٌ، وهذا ما ينبغي أن تتفهّمَه جميع الأجهزة، إذ لا يتمنّى الناس انقلاباً رأوا بأمّ أعينهم كيف أتت انقلاباتٌ في بلدان أخرى برؤساء تخلَّدوا (وتخللوا) في الحكم حتى بلغوا الموت، أو ساروا على طريقه! ولكنّ ما يريدونه حقاً هو الاستماعَ إلى نبضهم، وتنفيذ توجيهات ملكهم نحو الديمقراطية، وكرامة الإنسان، ومحاربة الفساد، وبناء دولة القانون، والإصلاح بجميع أنواعه.

إنه يمكننا القول إنّ الشعوب لا تحتاج إلى العنف لتبيّن وجهة نظرها في الحكم، وإنّه يمكن لثقافة الاحتجاج السّلميّ أن تحقّق، وبلا خسائر، ما تعجز عن تحقيقه معارك تُبذَل فيها الأرواح والأموال. ذلك أنّ العنف ليس مطلباً إنسانياً أو حضاريّاً، وينبغي أن لا نلجأ إليه إلا دفاعاً عن النفس.

zulauka.abureesheh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الاحتجاج السلمي (أردنية)

    الثلاثاء 25 كانون الثاني / يناير 2011.
    أثبتت المظاهرات والاحتجاجات السلمية أثرها الناجح في تغيير السياسات وأحيانا الحكومات وأنظمة الحكم، وليس أدل من ذلك على ما قام به المهاتما غاندي، اول من قاد مقاومة سلمية في العصر الحديث، وما أدت له من تخليص الهند من السيطرة البريطانية. هناك أيضا المثال الفلسطيني في قرية بعلين والمظاهرات السلمية التي يقومون بها كل جمعة لمقاومة الاحتلال، والتي اثمرت عن استعادة العديد من الأراضي الفلسطينية. من المفرح أن نرى احتجاجات سلمية في أردننا تثمر عن نتائج إيجابية للشعب دون إشاعة الفوضى أو العبث بأمن الأردن أو الإضرار بسلامة المواطنين.
  • »كلام بناء (د . مصـطفى شـهبـندر)

    الثلاثاء 25 كانون الثاني / يناير 2011.
    تحية مني للكاتبة القديرة زليخة أبوريشة للنبرة الهادئة المتروية التي اتصف بها مقالها المنشور تحت عنوان ( ثقافة الاحتجاج السلمي )، لأن الغلو في في لغة (الردح)التي لجأ اليها البعض ،فيها اشعال للنار تحت الهشيم ، ونتائجها جلد الذات ، وتصويب الرماح بانجاه فؤاد الوطن .
    د.مصطفى شـهـبندر
    m.shahbandar@gmail.com