"مال طاهر المصري" طريق الصابون النابلسي وأخوة التاريخ الأردني الفلسطيني

تم نشره في الثلاثاء 25 كانون الثاني / يناير 2011. 03:00 صباحاً

"مال طاهر المصري" دمغة ما تزال تُنقش بها "فلقات" الصابون النابلسي الذي يباع في متاجر الأردن اليوم ويصدر إلى مناطق اخرى. وهي نسبة للمصبنة التي أسسها طاهر المصري، جد رئيس مجلس الأعيان الأردني الحالي طاهر المصري، باسم شركة تحمل اسمه (طاهر المصري)، وماركتها النعامة، وما يزال يعمل بها اليوم 16 عاملا. ومع أن ماركة الصابون النابلسي من هذا النوع هي الأشهر تداولا في ذاكرة الأردنيين، إلا أنها تمثل تاريخا من العلاقات والوشائج الحضارية بين منطقتين كانت لهما روح واحدة ما تزال نابضة.

تاريخياً، شهدت العلاقات المتبادلة بين مدن شمال الأردن وشمال فلسطين تطورا ملموسا في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وهي علاقات لم تكن جديدة بقدر ما تطورت بشكل ملفت عن السابق. ويمكن القول إن نموذج العلاقة بين نابلس وبدو البلقاء يمكن أن يكون مجالاً مناسبا لبحث التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسكانية في مرحلة ما بعد التنظيمات العثمانية، أي بعد العام 1939، وهي المرحلة التي شهدت إعادة النظر في إدارة الولايات البعيدة، واتباع سياسة جديدة مع البدو، وإحداث تقسيمات إدارية جديدة وتمليك الأراضي بموجب قانون الأراضي العثماني لعام 1858.

التحولات التي تلت التنظيمات العثمانية في المجال الاقتصادي كانت الأكثر أثراً في تاريخ الشرق الأوسط الحديث بعامة وبلاد الشام بخاصة، إذ إن تدفق السلع الغربية لأسواق المدن الكبرى كان نذير تغيرات جوهرية أصابت حركة الأسواق، وأثرت في بيع السلع وعلى مشاغل الحرف وطوائفها.

ويرى المؤرخ البريطاني ذو النهج الماركسي بيري أندرسون، في كتابه دولة الشرق الاستبدادية (ترجمة: بديع عمر، مؤسسة الأبحاث، بيروت، 1983، ص 22)، وزيفي يهودا هرشلاغ في دارسته "مدخل إلى التاريخ الاقتصادي الحديث للشرق الأوسط" (ترجمة: مصطفى حسين، دار الحقيقة، بيروت، 1973، ص 32)، أن التحولات الاقتصادية التي ألقت بظلالها على الدولة العثمانية والشرق الأوسط كانت نتيجة للاختراق الغربي المباشر، الذي أثر سلبا على الوضع الاقتصادي العام للمنطقة.

الحديث عن الخط الرئيس للتقسيم الاقتصادي الاجتماعي لجنوب شرقي سورية، أو ما فيما عرف بعد ذلك بشرق الأردن نهاية القرن التاسع عشر بحسب رأي شاتلار (2006) لم يمر بين البدو والقرويين، لكن بين الشمال والجنوب، وشكل الاقتصاد البدوي أحد الأنماط الاقتصادية في شرق الأردن وغطى مساحة واسعة من البادية الأردنية، وكان جله من الإنتاج الحيواني، مع نشاط زراعي محدود، إذ اشتهر بنو صخر بتربية الجمال وكانت ديرتهم تمتد من الغور شتاء حتى تصل إلى مرج بني عامر، ومنهم عشائر الخريشه والجبور، وأما عرب عباد فكانت منازلهم غرب عمان، وكانوا يزرعون الشعير والقمح ويربون الحيوانات وامتلكوا بعض الطواحين، وأما العدوان فانتشروا غربي قضاء السلط وامتدت ديرتهم من غور نمرين الكفرين حسبان وحتى الشفا حيث عدوان النمر والكايد، أما عشائر البلقاوية فأشهرها الحديد والحنيطي والشوابكة والقطارنة.

وهناك عرب الدعجه الذين انتشروا في مناطق ماركا وطبربور، والعجارمه وموطنهم المشقر والعال وناعور وأم السماق وحسبان. وتمتد مضارب بني حسن في الجهة الشمالية الشرقية من بلدة عمان والزرقاء، وحددت أراضيهم شرق ديرة بني صخر ومناطق قراهم في العالوك وسلبود ورحاب وبلعما والزرقاء والبويضة وجبا، وكان لهم نحو 35 قرية، وعملوا في الرعي والزراعة، وقد استقروا مبكرا في القرى. وأخيرا هناك مضارب بني حميدة في صرفا وفقوع وذيبان. وفيما استقر العمر في مناطق مطل الموجب في قرى مسعر ودمنه وابو ترابه، انتشر عرب الحجايا شرق الكرك صيفا وكانوا يتوغلون شرقا او جنوبا في فصل الشتاء، فيما مناطق الحويطات والجازي وبنو عطية هي المناطق الجنوبية.

كانت قاعدة الإنتاج الاقتصادي لتلك القبائل البدوية من الماشية والماعز والإبل التي أمدت القبائل بالحليب واللبن، والزبدة، والسمن والقشطة، والصوف وشعر الماعز أو وبر الجمال، وقسم منه يستهلك داخليا، وما يزيد يورّد إلى أسواق المدن الكبرى وبخاصة السلط ومنها إلى نابلس أو إلى الكرك ومنها إلى الخليل، أو من اربد إلى حيفا وشمال فلسطين. وكذلك الحال في معان التي غدت سوقا موسمية في الحج.

على أساس قاعدة المبادلة الإنتاجية، نشأت علاقات تكامل بين حاجات مجتمع البلقاء البدوي الرعوي ونابلس وتجارها، وكذلك الحال بين بدو الكرك والخليل، وفلاحي اربد وأسواق حيفا؛ إذ كان فيها أواسط القرن التاسع عشر 10 آلاف نول لصناعة الأقمشة القطنية والصوفية التي تمول بالصوف من بلاد عرب البلقاء، إلى جانب سبع مدابغ لصناعة القرب الجلدية التي كانت تعتمد على تموين البدو لها بالجلود، وهناك صناعة أوتار العود من أمعاء الغنم التي كان البدو يوفرون المادة الأولية لها، حيث يحتفظون بأمعاء الأغنام بعد ذبحها ليتم تجفيفها ويبيعونها لحرفيين مختصين في نابلس فيصنعون منها أوتارا للعود؛ وكانت عائلة آل فضة مختصة بهذه الحرفة.

في اتجاه مقابل، مثلت بلاد عرب البلقاء سوقا استوعبت فوائض الأقمشة في سوق نابلس التي ظلت تدين في توسعها للسوق البدوية؛ إذ كانت تقاليد البدو وأعرافهم تعطي قدرا كافيا من الاهتمام والمال لشراء القماش للباس الرجال أو جهاز العرائس، وكانت السلط أشبه بميناء جاف ترده بضائع نابلس ودمشق.

التحولات المهمة اقتصاديا جاءت نهاية النصف الأول من القرن التاسع عشر. فبعد أن ظلت زراعة القطن وما ينتج عنها تمثل رأس الهرم الاقتصادي النابلسي، ونشأت على اكتافها شريحة اجتماعية من التجار الأثرياء من خلال التعاطي بتجارة الأقمشة، كان ثمة تغير بطيء يحدث. ذلك أن تطورات سلبية ما لبثت أن أصابت زراعة القطن وتصنيعه، وأبرزها تفوق القطن المصري طويل التيلة ومنافسته سائر أنواع القطن الشامي. وقد زادت هذه المنافسة بعد إصلاحات محمد علي باشا الزراعية، ودخول السلع الأوروبية التي أثرت على أسواق دمشق وحلب ونابلس.

شكل ذلك التراجع سببا لدى تجار نابلس للبحث عن بديل في مجالات جديدة تضمن استمرار الثروة. لذا بدأ الاستثمار في المصابن، التي ستطبع النشاط الاقتصادي في المدينة منذ أوسط القرن التاسع عشر وحتى اليوم.

شهدت المرحلة الأولى تفوق آل عبدالهادي وحلفائهم في صناعة الصابون، خاصة بعد أن سيطروا على بعض المصابن وأعادوا بناءها. وفي مرحلة لاحقة، دخل منافسون جدد من عائلات نابلسية أبرزها آل المصري والشكعة، ودخلت المصابن الحركة السياسية في زمن الانتداب؛ فمن مصبنة أحمد الشكعة انطلقت فكرة الإضراب الكبير العام 1936.

وبرأي الباحث محمد مراد، تعكس أرقام المصابن وتطورها اهتمام عائلات نابلس بها. فحتى أواخر العشرينيات من القرن التاسع عشر، كان في نابلس ثلاث عشرة مصبنة، بينها أربع مهجورة أو خربة، وخمس أعيد ترميمها، وأربع كانت عاملة بكامل طاقتها.

في العام 1860، ارتفع عدد المصابن ذات القدرة الإنتاجية العالية إلى 15 مصبنة، ثم إلى 30 مصبنة في العام 1882. واستمرت هذه المصابن تحتفظ بقدرتها الإنتاجية حتى نهاية العهد العثماني، إذ أحصى محمد بهجت ورفيق التميمي (اللذان زارا نابلس خلال الحرب العالمية الأولى) في كتابهما "ولاية بيروت" (تحقيق زهير غنايم ومحمد محافظة ج2), وجود 29 مصبنة، منها 23 مصبنة كبيرة و6 مصابن صغيرة.

أما حجم إنتاج نابلس من الصابون، فتشير التقديرات إلى أن عشر مصابن فقط أنتجت ما يصل إلى حوالي 1025 طبخة العام 1842–1843، وهو الإنتاج الذي استمر يسجل أرقاما تصاعدية. ويذكر رفيق وبهجت أن عدد الطبخات التي أنتجتها مصابن نابلس وصلت إلى 400 طبخة، أي بحجم إنتاج بلغ قرابة 9000 قنطار صابون، وكانت الطبخات الكبرى لدى عائلات نابلس وأشهرها طبخة النابلسيين والغزاويين، والشكعة، والتميميين والخياط وعاشور وبني كمال المصري والعنبتاوي والخياط.

ولما كانت صناعة الصابون تحتاج لمكملات، فقد شكلت عملية الإنتاج ركيزة الاعتماد المتبادل للنشاطات الاقتصادية بين بدو البلقاء وأصحاب المصابن في نابلس. فمن جانبهم، وفر البدو إحدى أهم المواد الأولية الأساسية التي تدخل في طبخ الصابون، وهي نبات القلو أو القلي، إذ ظلت أعداد كبيرة من قبائل بني صخر، والحويطات، والعدوان البدوية تجمع نبات القلي الذي ينبت بكثافة في أودية معان والجيزة والحسا، وحول السلط، في أيام الصيف ويحرقونه ثم يعبئون فحمه المحروق في أكياس ويأتون بقافلة تصل لألف جمل "فيتعاقد رئيسها مع تجار الصابون بثمن مخصوص وشروط مخصوصة" بحسب رأي الباحث محمد مراد.

وما يشير لكبر حجم قوافل "القلي" ما يرد بوثائق بلدية نابلس التي تفيد أن أجراس الجمال التي كانت تدخل المدينة صارت تزعج الناس. فتشير وثيقة في شريط رقم 3 العائد لعام 1923، إلى إعلان من البلدية "لخنق أجراس الجمال منعاً للضوضاء"، وهو ما يؤشر على حجم الأحمال والتجارة التي تنقلها جمال البدو، وعلى رأسها أحمال نبات القلو/ القلي.

ويذكر إحسان النمر في تاريخه لجبل نابلس والبلقاء، أن صلة جماعة المصابنية في نابلس بالعشائر البلقاوية استمرت إلى آخر العهد العثماني "إذ كانت قوافل الحويطات تصل إلى ألف بعير تأتي إلى نابلس حاملة قلي (قلو) باديتهم إلى مصابن نابلس ليتماروا بأثمانها من أسواق نابلس. وقد ظل شيوخ الحويطات يكرمون كل نابلسي طيلة حياتهم ويذكرون تلك الصلة".

كان أفضل أنواع القلي/ القلو في عملية طبخ الصابون النوع الحلو الجيزاوي -نسبة لمنطقة الجيزة جنوب عمان اليوم- لأن النوع المالح لا ينفع. ويعلق الرحالة "بوركهارت" الذي زار المنطقة مطلع القرن التاسع عشر على الالتزامات المتبادلة بين البدو وأصحاب المصابن وتجار الصابون في نابلس بما يلي: "إن عرب البلقاء، ولا سيما بنو صخر، يجلبون القلو أو رماد الصابون الى السلط، وكانوا يحرقونه في الصيف بكميات كبيرة... ويشتريه تاجر نابلسي لم يزل يحتكر هذه التجارة منذ أعوام. ويعتبر رماد الصابون المستخرج من نبات الشمان في البلقاء الأفضل في البلد ويبيعه العرب لكن على المشتري أن يؤدي مكوسا باهظة عنه، وشيخ عرب العدوان يقتطع لنفسه خمسة قروش عن كل حمل جمل وقرشين لكاتبه وقرشين لعبده. وتستوفي بلدة السلط قرشا عن كل حمل..".

وعلى ذلك بدا فائض الصابون سلعة تجارية أسهمت بتوليد ثروات عائلية، وهو ما ساعد في توفير النفوذ للطبقات المدينية التجارية التي تحكمت بفائض المصابن. كما أن فائض القلو بالمقابل أدى إلى إحداث تحولات اجتماعية وسياسية وثقافية لدى عشائر البلقاء البدوية؛ لا سيما شريحة الشيوخ منها. وأولى تلك التحويلات تمظهرت ببدايات انفتاح تلك الجماعة على العلاقات النقدية التي بدأ معها الاقتصاد البدوي بالتحول من النمط المترحل إلى الاستقرار في قرى زراعية والانخراط في اقتصاد زراعي حرفي قائم في جزء منه على المبادلة النقدية في أسواق القصبات والمدن المجاورة، وما لبثت عمليات التوطين التي شجعتها الدولة العثمانية أن ألقت بأثرها المباشر على عملية التبادل التجاري وتطور المنتجات الزراعية التي تبادلتها أسواق نابلس مع بدو البلقاء.

أفضت عملية التوطين لعشائر البلقاء البدوية على ضفتي نهر الأردن الشرقية والغربية إلى تعزيز تحول هذه العشائر إلى قوى منتجة حقيقية في المنطقة، الأمر الذي كان يؤسس لشبكة جديدة من علاقات التبعية الاقتصادية والسياسية للقوى الطامحة للسيطرة على فائض الإنتاج الريفي، وفي مقدمتها تجار نابلس بالذات والشريحة الاجتماعية الصاعدة من شيوخ تلك العشائر المستقرة والتي كانت تتحول بسرعة إلى احتلال مركز الوجاهة في الأوساط الريفية البدوية وما تزال نافذة حتى اليوم في الأردن.

كل هذه التطورات جاءت لتدفع إلى قيام شبكة من العلاقات المدنية-الريفية، وظهور ما يمكن تسميته "بالاقتصاد البروفنسيالي" (L'ECONOMIC PROVINCIALE ) أي دينامكية الحراك المدني للمدن الزراعية (مثل نابلس ) وتسريع اندماج الريف الزراعي البدوي في ثقافة تلك المدن وقوانينها. ومثل هذا التحول أنهى ما يسمى بالصراع القيسي اليمني في فلسطين، كما أنه أثر بشكل مباشر على نمو التحضر في شرق الأردن، ما سمح بنمو القصبات في عجلون والكرك والسلط وفي عملية استقرار البدو.

من أشهر شركات الصابون العاملة اليوم في نابلس شركة أحمد الشكعة للصابون وماركتها الجمل، ويعمل في هذه المصبنة 22 عاملا دائما، ويصل العدد عند لف القطع إلى حوالي 30 عاملا. وتتبع هذه الشركة ثلاث مصابن، وهي أكبر المصابن قاطبة. وهناك شركة طاهر المصري وماركتها النعامة، ويعمل فيها 16 عاملا. وشركة حافظ وعبدالفتاح طوقان، وماركتها المفتاحان، ويعمل فيها 15 عاملا. وشركة عمر ورشدي العالول، وماركتها الديك، ويعمل فيها 8 عمال. وشركة ماجد النابلسي وماركتها البدر، ويعمل فيها 7 عمال. ومصبنة سالم النابلسي وماركتها الزيتونة. وشركة فتحي كنعان للصابون، وماركتها الحمامتان.. وغيرها مثل شركة عادل عرفات وماركتها الهلال والنجم والنجمة، وشركة حلمي عبدالهادي، وماركتها البقرة، وغيرها. ومن إنتاج هذه المصابن هناك ما يباع في السوق الأردنية وبخاصة ماركة النعامة والمفتاحين.

mohannad.almubaidin@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الدم ما بصير ميه (ابو رائد الصيراوي)

    الثلاثاء 25 كانون الثاني / يناير 2011.
    دمعت عيناي وانا اقراء هذا المقال الجميل الذي يدلل بصورة قاطعة ان ما كان هو افضل مليون مرة مما هو عليه الان , كان الجميع اهل يكمل بعضهم بعضا حريصون على وحدتهم على الارض التي جمعتهم جميعا,

    الا ان ما نراه اليوم يؤرق النفس ويترك بالحلق غصة.

    الا ان الامل لن يفارقنا وان قناعة الجميع بالمثل لا زالت موجوده عند الجميع (فلن يصبح الدم ماء ابدا)
  • »مقال جميل ومؤثر (زهير الحوراني)

    الثلاثاء 25 كانون الثاني / يناير 2011.
    أشكر الكاتب
    على هذا الجهد ..
    فجعلني أعيش تلك الفترة ببساطتها
    وأتأكد من أننا شعب واحد
    وأن الدولة هي دولة أفقية وليست رأسية بمعنى أن بلاد الشام متصرفتين الأولى متصرفية الأردن وفلسطين والثانية متصرفية سوريا ولبنان.
    وهذا ما ينطبق حتى على طباع أهل هذه المناطق.
  • »تصحيح (ابوحسن)

    الثلاثاء 25 كانون الثاني / يناير 2011.
    لعل اشهر ماركة صابون نابلسي عرفناها منذ زمن بعيد هي المفتاحين وليس النعامة لذا ارجو التنويه