محمد برهومة

الجيش التونسي يقود التحوّل

تم نشره في الجمعة 21 كانون الثاني / يناير 2011. 03:00 صباحاً

هرب ديكتاتور تونس وغادر التونسيون عقدة الخوف أو يكادون. قيل إنّ التحرّك الشعبي المدني والشجاع والمصرّ مدّ الناس بطاقة لمواجهة قمع السلطة، وكان لهم ما أرادوا. لكن هل طُويت الصفحة وصرنا أمام جمهورية جديدة؟ هل كان ما حدث سيحدثُ (وهو لحظة عربية فارقة بكل تأكيد) لو كان موقف الجيش التونسيّ مختلفا عمّا رأينا؟ الجيش هو أهمّ القوى الرئيسة في تونس التي تخلّت عن بن علي حين رأى (الجيش) أنّ مرحلته انتهت.

هذه القرارات تؤخذ عادة عبر التنسيق الإقليمي والدولي، وتبدّل المواقف الأميركية والفرنسية والعربية من دعم بن علي يشير إلى ذلك، من دون هروب إلى المجهول بالطبع. الجيش التونسي الآن مؤسسة ترعى التحوّل بخطوات نحو انفتاح وإجراءات ديمقراطية، من دون رغبة في الانخراط المباشر في المشهد السياسي. وقيل إن الجيش أحجم عن قمع المتظاهرين، الجيش سمع صوت الغضب الشعبي وهو من أقنع بن علي بالمغادرة، وهو ما أبقى تونس على اتصال دبلوماسي مع العالم وإرسال التطمينات بعدم الذهاب إلى المجهول. والجيش يرعى حاليا عملية الحراك في تونس، وهو صاحب الكلمة الأولى في المساعدة في إنتاج نموذج للانتقال نحو الديمقراطية أو الاكتفاء بإجراءات جزئية.

إذاً كانت المشكلة في بن علي شخصيا، فقد أُنجز الهدف وانتهت اللعبة، لكنّ الجميع يتفقون أنّ المشكلة هي في غياب الحقوق السياسية والعدالة الاجتماعية والكرامة الوطنية وقمع الحريات، ومن يمسك بالسلطة الفعلية الآن كان جزءا أساسيا من السلطة السابقة، والامتحان الكبير الآن أن يكون شيئاً آخر مختلفاً عما كانه قبل شهر، ومن هنا نتساءل إنْ كان ما حدث فعلا ثورة شعبية أم انتقال للسلطة من داخلها مع تغييرات جزئية محسوبة، مثل دخول المعارضة في الحكومة والدعوة إلى إعادة هيكلة الحياة السياسية والحزبية والإعلامية من جديد؟

لا شكّ أنّ الأوضاع الآن، وحتى المدى المنظور، ستكون أفضلّ بما لا يُقاس، سياسيا واقتصاديا، مما كانت عليه زمن الديكتاتور، لكنّ نبتة الديمقراطية والحرية والعيش الكريم ماتزال هشّة، وليس ثمة مؤسسات مدنية أو قوى ديمقراطية أو قانونية بمقدورها تقديم ضمانات بأنّ المرحلة السابقة غادرتْ إلى غير رجعة وأنّ التغيير نحو الأفضل آخذ في التمدد.

الشعوب تصنع الديمقراطية بالممارسة والخبرة والانتقال من مرحلة إلى أخرى، لكنّ هذا يتطلب أنْ تكون الإجماعات الوطنية حول الخطوط العريضة لطريقة العيش وأسلوب السياسة والاجتماع قد نضجتْ، وتم خوض أشواط من الجدل والحوار بشأنها والتوصل إلى تسويات وموافقات تمكّن مِن جعلِ الإصلاح والتغيير يحظيان بركائز أساسية من الاستقرار وحفظ الأمن وحيازة رضا الغالبية.

درسُ تونس اختبارٌ للإصلاح والتغيير في العالم العربي، فنصف الطريق قُطعتْ بإسقاط الشعب للديكتاتور، وبقي النصف الآخر، وهو التحوّل السلمي نحو نظام ديمقراطي ومجتمع حر يخوض معركة التنمية من دون الاقتراب من شبح الفوضى الأمنية وسكب الدماء. الديكتاتورية والاستبداد تقتل فرصة البدائل والخيارات، والاختبار القاسي الذي يقدمه الآن الدرس التونسي عربيا، هو ضرورة العمل على خلق بيئة صالحة للتغيير الديمقراطي السلمي.

إنّ التحوّلات والأمثلة التي اجتاحت منطقتنا  في العقود الأخيرة تجعلنا نتريّث في إطلاق الأحكام واستباق النتائج، ونظرة سريعة إلى تجربة البشير-الترابي ومآل ثورة الإنقاذ في الجزائر وثورة الأرز في لبنان والتغيير عبر الاحتلال الأميركي في العراق، ومآل التحرّك الإصلاحي الشعبي في إيران عقب الجدل الذي صاحب إعادة انتخاب أحمدي نجاد... نقول إنّ نظرة إلى ذلك كلّه تدفعنا إلى التحلي بـ"التمهّل" في قراءة الدرس التونسيّ، من دون أن يعني ذلك تكرار قول المستبدين إن الاستقرار من دون ديمقراطية أفضل من ديمقراطية تحمل في أحشائها الفوضى، ومن دون أن يمنعنا ذلك من التفاؤل ونحن نشاهد كيف نقصَ عددُ الديكتاتوريين واحداً في منطقتنا.

mohammed.barhoma@alghad.jo

التعليق