في البدء كانت النار

تم نشره في الخميس 20 كانون الثاني / يناير 2011. 02:00 صباحاً

إلى خالد جبار.. صحافي تونسي مغترب في الخليج

جاء في إنجيل يوحنا: "في البدء كانت الكلمة". لكن محمد البوعزيزي أكد في تونس أنه "في البدء كانت النار".
هي لحظة لم يكن يدرك فيها البائع المتجول الشاب محمد البوعزيزي إلى أين ستصل نتائجها. فقد قرر إشعال النار في جسده احتجاجاً على مصادرة عربته التي يبيع عليها الخضار بعد أن ذهب إلى البلدية ليشتكي، فصفعته موظفة البلدية على وجهه. لم يفكر ذلك الانتحاري الجديد أنها ستكون لحظة البداية التي ترسم نهاية لنظام استبدادي عجزت عنه حتى "ثورة الخبز" إبان حكم بورقيبة، والتي اندلعت بدايات العام 1984، وكانت سببا  في مجيء زين العابدين بن علي من وارسو إلى تونس مديراً للأمن العام.

و لم يعلم الرئيس الهارب، بن علي، وهو يزور البوعزيزي في المستشفى قبل وفاته، أن هذا الشاب المسجّى على سرير جراحه، هو سر إنهاء حكمه الذي قارب من ربع قرن متواصلة.

ثورات الشعوب تبدأ هكذا، تأتي في توقيتها الخاص، من دون انتظار أو توقع، وعندما تصبح ممكنة تنطلق ولا يوقفها أحد. نعم قد تسهل قراءة ممهّداتها، لكن من الصعب التحكم بانطلاقتها أو نتائجها.

كنا في العالم العربي -وما نزال- ننتظر حرباً إسرائيلية جديدة في غزة، وانقلاباً آخر في موريتانيا، وانفلاتاً أمنياً في لبنان، وانفصالاً مؤلماً لجنوب السودان عن شماله، وتفجيرات دامية في العراق، ونزاعاً أهلياً مستمراً في الصومال، وخطاباً رئاسياً "مضحكاً" في ليبيا، وننظر بخوف لما يجري في مصر بعد تفجير الإسكندرية.

ما حدث في تونس يكشف أن جذر كل الخراب يقع في السياسة المستبدة والسلطوية والتراكمات التي تنتجها تحت السطح على مدار عقود، فالانتفاضة الشعبية في تونس بدأت بمطالب خدماتية غير سياسية، لكنها في العمق كانت سياسية بامتياز، وبعد أقل من أسبوعين على اندلاعها تحول الشعار من المطالبة بفرص تشغيل للعاطلين عن العمل إلى المطالبة بتغيير النظام برمّته.

الدول العربية لا تعرف أحداثاً كالتي تشهدها تونس، لكنها تعيش أوضاعاً سياسيةً واقتصاديةً واجتماعيةً مشابهةً لأوضاع تونس، وبالتالي على الأنظمة ونُخَبها قراءة أحداث تونس جيداً، وعليها أن تعي دروس التجربة التونسية بكل تفاصيلها. فالدرس الأول من تونس يقول إنه يجب ألا يبقى الخيار المطروح على الشعوب محصوراً بين أنظمة علمانية فاسدة ومستبدة، أو حركات إسلامية أصولية، برامجها غامضة، والتجارب التي سيطرت فيها على الحكم لا تبشّر إلا بمزيد من الاستبداد والخوف (إيران، الصومال، السودان، غزة).

الدرس الثاني يقول إن الشرائح الشبابية العربية تمتلك وعياً عميقاً وحاداً بالقضايا التي تحيط بها. وهي ليست جيلاً "تافهاً" مغرماً بتكنولوجيا الحداثة فقط. وقد أثبت الدرس الثالث التونسي أيضاً أنه ليس من الدقة القول إن الشريحة الشابة النشطة الوحيدة في الشارع العربي هي الإسلاميون. فالذي يتبدّى أمام المتابع للشارع الانتفاضي التونسي هو أن الاحتجاجات عامة، والمشاركون فيها يتجاوزون أي محاولة للتصنيف الحزبي، إسلامياً كان أم علمانياً.

كما أثبت الدرس التونسي أنه ما عاد بإمكان أي سلطة التخفي وراء النجاح الاقتصادي، وتوظيفه لإدامة الانسدادات السياسية والتسلطية. ولا يمكن أن يتواصل أي نجاح أو انفتاح اقتصادي من دون أن يرافقه نجاح وانفتاح في السياسة.

ثورة تونس القُزَحية (نسبة إلى ألوان قوس قزح) أكدت أن الاعتماد على الدعم الخارجي لتعويض الشرعيات المنقوصة لا يحقق إلا استقراراً قصير الأمد، وما عاد بالإمكان إحكام طوق التواطؤ الإعلامي والسياسي لدولة حليفة تقمع شعبها، وتدوس على قيم الحرية والتعددية وحقوق الإنسان التي يدعو لها الغرب نفسه.

في تجربة تونس، نرى أن أقرب الداعمين للحكومة التونسية في الغرب، فرنسا والولايات المتحدة، لم تترددا في تغيير "الأحصنة" في اللحظة المناسبة. ولا يهمهما أن يسقط بيدق على رقعة الشطرنج هنا أو هناك، أو أن يرتفع بيدق جديد.
أيدي الشعوب العربية على قلوبها من أن يتم تقويض "ثورة الياسمين" في تونس من زمر سياسية فاسدة، أتقنت أكل خيرات الشعوب في كل الظروف، واللعب على كل الحبال، فالذين كانوا يعانون سياسة الإقصاء سابقاً من قبل النظام المخلوع، يعملون الآن على إقصاء من أقصاهم، ولا يفكرون من منطلقات ديمقراطية قويمة.

osama.rantisi@alghad.jo

 

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تصحيح (محمود)

    الخميس 20 كانون الثاني / يناير 2011.
    يقول الانجيل في البدء كان الكلمة، أي السيد المسيح. صفعت الشرطية في البلدية البوعزيزي قبل أن يشتكي للبلدية. انتفاضة الخبز حدثت في نهايات 1983 وانتهت في بدايات 1984