ياسر أبو هلالة

"بل أحياء عند ربهم".. ثقافة الحياة

تم نشره في الثلاثاء 18 كانون الثاني / يناير 2011. 03:00 صباحاً

حاولوا تسويق مفهوم "ثقافة الحياة" (أو "سقافة" بالدارجة لدى البعض) بمعنى الحياة الاستهلاكية الخالية من الإنسانية والمعنى والكرامة. يريدون من الشباب العربي أن يكون أجوفَ مسطحا لاهثا شَرِهاًَ وراء الكسب السريع والمتعة، منقطعا عن محيطه وتاريخه، متقوقعا على ذاته وملذاته. لم تكن الحرية، بنظرهم، قيمة عليا تسطع على كل مناحي الحياة بنظرهم.

كان مرعبا أن يُستدرج الجيل العربي الجديد وراء تلك الشعارات، فهي لا تتعارض مع الدين والإرث الثقافي، بل هي مقطوعة عما تعارف عليه البشر من قيم إنسانية عليا. فالتضحية بالنفس والمال والوقت هي التي تقدمت بالبشر، وما أعاق التقدمَ مثلُ الجبن والبخل والعجز والكسل. كل الشعوب التي تقدمت ثارت وحاربت من إنجليز وفرنسيين وأميركيين وروس.

ليس مستغربا أن يأتي الرد من تونس، هل نسينا أن تونسيا من نفذ عملية الطائرة الشراعية التي كانت شرارة انتفاضة 1987؟ ذلك الشاب كانت لديه خيارات الحياة الرديئة في ظل ديكتاتور، لم يكن يجد فرقا بين أسرته التي لا تجد قوت يومها وبين أسرة فلسطينية شردت من أرضها. إنها الإنسانية بأبهى صورها، حلق بطائرته الشراعية في مشهد سينمائي يفوق الخيال. إنها ذات الروح الغاضبة التي تحلى بها فتية تونس وهم يدقون باب الحرية بقبضاتهم المضرجة.

لا يستحق الديكتاتور قطرة دم يفدى بها، لكن الأهل، والأحبة، والأطفال الذين لم يولدوا بعد، يستحقون. ولولا عزيز النفوس التي بذلها شباب تونس من البوعزيزي ومن لحق به لما تزحزح الديكتاتور. لقد رتلوا آيات الله وكأنها تنزلت بهم "بل أحياء عند ربهم يرزقون"، "ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون".

وكأن الزبيري أبو الثورة اليمنية تحدث بلسانهم "ستعلم أمتنا أننا.. ركبنا الخطوب حنانا بها.. نمر على شفرات السيوف ونغشى المنية من بابها". وليت أمل دنقل حياً ليراهم يزينون صفحاتهم بقصائده على "الفيس بوك": "أيها الواقفون على حافة المذبحة.. أشهروُا الأسلحة.."، أم مظفر النواب في "يا أجمل من أمة غاضبة.. أركليهم فأقدارهم يركلون وأقدارنا القوة الضاربة". وكأن سيد قطب في "المعالم" كان يصفهم وهم يقبلون على الموت لتوهب لهم الحياة "لقد كان في استطاعة المؤمنين أن ينجوا بحياتهم في مقابل الهزيمة لإيمانهم، ولكن كم كانوا يخسرون هم أنفسهم، وكم كانت البشرية كلها تخسر؟ كم كانوا يخسرون وهم يقتلون هذا المعنى الكبير؟ معنى زهادة الحياة بلا عقيدة، وبشاعتها بلا حرية، وانحطاطها حين يسيطر الطغاة على الأرواح بعد سيطرتهم على الأجساد".

لقد تحررت الأجساد والأرواح؛ هذه هي الحياة. ولا شك أن الأدب الثوري الإنساني فكرا ورواية وشعرا ورسما وسينما، هو الزاد للجيل العربي الجديد. فلوحة جارنيكا لبيكاسو لا تقل جمالا عن مقولة ماركس "الثورة الآن، ليست بالأمس ولا غدا". الحياة جميلة وادعة كما نسمات الربيع، وجميلة عاصفة، فاستبشروا بالعاصفة!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »إلى حمزة أحمد (أحمد)

    الثلاثاء 18 كانون الثاني / يناير 2011.
    أخ حمزة, الإيثار و التضحية بالنفس هما من عمدان قيام الدين الإسلامي لكن الإنهزامية و التراجع عن قول الحق هما المحركان الأساسيان و للأسف لمن هم على شاكلتك. يا أخي أنت تتغاضلى عن كبائر الأمور و تقلقك صغائرها. و المصلحة التي حققها البطل البوعزيزي هي أكثر نقاءا و نظافة بل و كرامة مما تدعي. ليست ثقافة موت بل ثقافة عزه و شرف يا عزيزي.
  • »للتنويه (م. فتحي ابو سنينه)

    الثلاثاء 18 كانون الثاني / يناير 2011.
    خطأ في اسم شاعرنا وشهيدنا المناضل عبد الرحيم محمود وخلطه باسم الكاتب المرحوم عبد الرحيم عمر ورد في تعليقي
    اسف
    شكرا
  • »الشمس تشرق بعد العاصفة (خالــد الشحــــام)

    الثلاثاء 18 كانون الثاني / يناير 2011.
    نجم صحافي لامع كعادتك ، أشكرك أخي ياسر لهذا المقال الرائع المليء بالحياة النابعة من ثنايا الفداء وروح التضحية والعطاء.

    في جوهر الحياة وفلسفتها الخفية التي لا يدركها كثير من الخلق تقوم هذه على المحن والابتلاءات ، صغيرها وكبيرها ، وليس بمستغرب أننا خلقنا في كبد ، حتى هذا الكون وهذا الكوكب الذي نحيا فوقه نشأ من ذات الروح المتفجرة العنيفة ، لقد بدأ الكون من كتلة أولية ثائرا متفجرا لم يهدأ دويه حتى يومنا هذا ، قمة التقدم والحضارة ونهضة البنيان أتت بعد زلزال مدمر ترك الأرض قاعا صفصفا ، لم ترتق أوروبا وتدخل في بوابات القوة والعلم والتمدن والحضارة إلا بعد حروبها وثوراتها الدموية التي ذهب فيها ما ذهب وبقي من بقي ، لقد كتبت الأمم العظيمة وجودها وحضورها بقدر ما قدمت من تضحيات وجادت بشبابها وأموالها وأنفسها .

    ليست تلك دعوة للعنف ولا دعوة للموت كما يمكن ان يفهمها البعض في سطحي الأمور ، إنها دعوة لتجديد الحياة في ثوب ثائر يواكب فطرة الروح البشرية التي جبلت على الحرية ومطلق العبادة لأله واحد والثورة على ما هو دون ذلك ، في كل الحالات التي جعل البشر من أنفسهم آلهة من دون الله أسقطوا ونبذتهم فطرة الحياة والشعوب بغض النظر عن ايمانها ومعتقدها .

    شتان بين من يموت في سبيل الهوى ومن يموت في سبيل ما وراء السما ، هل يمكن أن نقارن بين من مات انتحاريا في تفجير كنيسة الحياة مثلا ومن مات في تونس مواجها الرصاص ؟ لا تأتي روح الاستشهاد وطلب الموت إلا لأن سبل الحياة الظاهرية أصبحت هي الميتة ولم تنفع كل السبل السلمية للحصول على مقومات تلك الحياة ، كل من أقدم على الجود بروحه في الموقع الصحيح والتوقيت الصحيح ولأجل الفطرة النقية السليمة إنما هو قدم أعلى مراتب العطاء وأعلى مراتب المكارم البشرية وهؤلاء هم عظماء الشعوب وهؤلاء هم صانعو التاريخ.
  • »الكلام المحسوب (مسلم)

    الثلاثاء 18 كانون الثاني / يناير 2011.
    يعجبني كلامك (ولكن رب كلمة قالت لصاحبها دعني فالقت بصاحبها في جهنم سبعون خريفا)أو كما قال الصادق
    ___
    الامين عليه السلام
  • »تصحيح معلومة - ابو خالد (nadeen)

    الثلاثاء 18 كانون الثاني / يناير 2011.
    خالد اكر سوري حلبي مش فلسطيني
  • »مداخلة (ابو خالد)

    الثلاثاء 18 كانون الثاني / يناير 2011.
    من استشهدخلال تنفذ عملية الطائرة الشراعية (عملية شهداء قبية في 25/11/1987 ) هماالفلسطيني خالد محمداكر والتونسي ميلود بن الناجح نومة.
    لا اعرف صراحة لماذا اقحمت مقولة سيد قطب في هذا السياق ,فقد قالها في سياق مخالف جدا لموضوع مقالتك.
  • »الانتحار ليس شهادة (حمزة احمد)

    الثلاثاء 18 كانون الثاني / يناير 2011.
    ترويج لثقافة الموت
    انما الاعمال بالنيات وانما لكل امرئ ما نوى وبرغم الحزن على هذا الشاب الا ان العاطفة لا تجب ان تاخذنا نحو تمجيد ثقافة الموت فحفظ النفس جزء اساسي في عقيدة المسلمين ولا يجوز ان نمجد الانتحار وحرق النفس في اعين الاخرين "فمن دعا الى هدى كان له من الاجر مثل من تبعه ومن دعا الى ضلالة كان عليه من الاثم او الوزر مثل من تبعه" والرد على الاهانة لا يكون بحرق النفس فما المانع لو انه ضرب الشرطية التي صفعته امام الناس ورد اعتباره بدلا من حرق نفسه منتحرا علما ان ما حصل في تونس هو حادث عفوي بدون ادنى تخطيط لا يرقى لان نطلق عليه اسم ثورة فالشاب البوعزيزي ينتمي لعائلة كبيره في مدينته وما ان حرق نفسه ردا على الاهانه حتى تحرك اقاربه الكثر بشهادة شقيقته يوم امس على BBC اولا ثم تبعه ابناء مدينته ثم انتشر الامر في تونس المحتقنة اصلا بسبب عدم وجود الحرية اكثر من سبب الفقر فهذه البلاد غنية بمواردها وزيتها وفوسفاتها وسياحتها وتعليمها حيث التعليم الجامعي فيها مجانا لكن العلة في التسلط فقط ولم يساهم اي حزب معارضة رسمي او غير رسمي في الاحداث الا بعد انطلاق شرارتها ولحد الان عاد معظم اصحاب المراكز الى مراكزهم في الحكومة الجديدة التي يراسها ذات رئيس الوزراء المعين في عهد الرئيس السابق وهذا لا يقلل من الخير الذي حصل فيكفي رفع الاذان في التلفزيون والعودة لاقامة صلاة الجمعة في وقتها والحرية الدينية المتوقعة التي هي فرج من الله وحده اما تمجيد الانتحار وقتل النفس فانه ياتي في نفس سياق الفكر التكفيري علما ان تاريخ الاسلام الممتد لاكثر من الف عام لا يسجل اي حادثة باستثناء واحدة او اثنتين كانت تتضمن قتلا للنفس على سبيل الاجتهاد وليس على سبيل الاقتداء فلنحرص على كلماتنا لان هنالك الاف ممن يلتقطها والله الموفق
  • »و لماذا غاب ابو القاسم الشابي عن مقالتك ؟ (nadeen)

    الثلاثاء 18 كانون الثاني / يناير 2011.
    مقال رائع و يجعلك تشعر بالثورة تضج في خلايا جسدك و لكني استغرب غياب ابي القاسم الشابي و ابياته الشهيرة التي باتت ايقونة للثورة على الطغيان في كل مكان.