زليخة أبوريشة

الاحتقان الشعبي ودرس تونس

تم نشره في الثلاثاء 18 كانون الثاني / يناير 2011. 03:00 صباحاً

كلُّ ما في الأمرِ أن الحكومات لم تعتد أن ينشأ أفرادُها في رحابِ الديمقراطيَّة، فمدُّها يدَها إلى جيبِها لمنح الشِّعبِ حقوقَه الطبيعيَّةَ، يخالطه وَجَلٌ عظيمٍ من أن تقود الديمقراطيَّةُ والحريّاتُ العامَّةُ إلى الفوضى، والإطاحةِ بكرسي الاستقرارِ – هذا في أحسن الظنِّ -. وهي تظنُّ أن من أولى واجباتها الوصايةَ على الناس والتفكيرَ بالنيابة. وهو منهجٌ رجعيٌ ثبتَ بالدليلِ القاطعِ أنَّهُ ليس فقط غيرَ ذي جدوى، بل مدمِّرٌ للأنظمة وللحكوماتِ على السواء.

وإذا كان التاريخُ – بعيداً وقريباً - معيناً لا ينضبُ للتجارب الإنسانيَّةِ ودرسِها وفرزِ ما فيها من صحَّةٍ وخطَلٍ، فإنَّ الواقعَ الحيَّ الآنَ يُنبئُنا أحسنَ النَّبأِ عن أنَّ سوءَ الظنِّ بالشُّعوبِ، وتجاهلَ إرادتها الحرَّةِ، والعبثَ بمقاديرها، والتسلُّطَ على تصريفِ ثرواتها  ليس لها من مآلٍ سوى ما حدث ويحدثُ الآن في تونس الشقيقةِ.
وفي ضوءِ ما يجري وما نحتاجُ، فإنَّ على حكوماتِنا العربيَّةِ أن تسارعَ إلى التعاملِ بسرعةٍ وكفاءةٍ مع عددٍ من المحاور يجنِّبُنا النجاحُ في علاجها الوقوعَ في أزمة تونس، والمخاطرةَ بالأوطانِ واستقرارِها. فلا ينقص بني يعرب مزيدٌ من القلق والضغوطِ والقلاقل والانقساماتِ والحروبِ الأهلية والدماء التي لا يستقيمُ معها نماءٌ ولا هناء. وهذه المحاور كما بُحَّ صوتُنا وصوتِ كلِّ ذي ضمير: إصلاحٌ سياسيٌّ واقتصاديٌّ (يقضي على البطالة والفقر وعلى مبدأ الرأي الواحد والفساد، ويوفِّرُ مزيداً من الديمقراطيَّةِ ومن الحرياتِ العامة)، وإصلاحٌ تربويٌ وتعليميٌ وثقافيٌّ.

ولا تخشَ الحكوماتُ والأنظمةُ أن يُساءَ استخدامُ الحريَّة، فلن نكتسبَ الحنكةَ في التعاملِ معها بكفِّ ِاليدِ، وإغلاق الفم، وترشيدِ التعبير، لأنَّ النقدَ حتى لو كانَ جارحاً يقوّي عضلةَ العقلِ المفكر لدى النَّاقدِ والمنقود، ويقوّي الإرادةَ الفاعلةَ، ويضعُ الناسَ على سِراطٍ سليمِ المآلِ.

وإذا كان من خشيةٍ حقيقيَّةٍ فذلك العنفُ الذي تُفصحُ عنه احتكاكاتٌ شتى، والذي ليس كما نعلم إلا وليدَ احتقانٍ طالَ أمدُهُ، وتحوَّلَ مع الوقتِ إلى منطقةٍ ملتهبةٍ تهدد سائرَ الجسدِ الوطنيِّ بالحُمّى والتمزُّق والأخطارِ الجِسامِ.. احتقانٍ لم يعد ينفعُ معه الصَّبرُ ولا الوعود. احتقانٍ لا يُداوَى إلا إذا كفَّ الجوعُ عن أن يَعضَّ بأنيابِه الحِدادِ، واستعادت الناسُ كرامتَها، وصينت حقوقُها، وقرَّرت مصائرَها. احتقانٍ لا نعلم متى ينفجر، وعندما ينفجر أيَّ جهَّنَّم ستنفتحُ على الحكوماتِ والأنظمةِ والأوطان. وعندئذٍ لن ينفعَ أيُّ طوقٍ أمنيٍّ في علاجِ واقعٍ تكرُّ حباتُهُ كمسبحةٍ، وبينما برميلُ الأسى ينتظرُ شرارةً عمياء!!!
إنَّ غلاءَ الأسعار ليسَ سوى قشَّةٍ تطفحُ بها كأسُ الشعوب. وإنَّ عدواناً فردياً لرجل أمن على مواطن سيأخذُ بعداً رمزياً لن يكون من السهل على أعتى الأنظمة ولوغاً في الاستبدادِ أن تنجوَ منه. فهل يمكنُ أن يتعلم العرب من الحاضر إن فاتهم أن يتعلَّمَوا من التاريخ؟؟؟   

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »" متى استعبدتم والناس وقد وادتهم امهاتهم احرار " (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الثلاثاء 18 كانون الثاني / يناير 2011.
    ياأبنة الأكابر ، يا أخت الرجال لوتعلمنا قليلا من تاريخ العرب والمسلمين ، وفلسفاتهم الدنيوية التي تدعو الى الأخرة لكنا حقا أحسن امة اخرجت الى الناس ..فاسمحي لي أن أكتب هذا الدرس اقتبسته من تاريخنا المجيد
    كثير منا يسمع مقولة عمر بن الخطاب الشهيرة (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا) ولا يعرف ماقصتها وماهي المناسبة التي قيلت فيها
    عندما تسلم عمر خلافة المسلمين وتولى هذا الامر الشاق جدا له
    ولى عمرو بن العاص رضي الله عنه على مصر
    في يوم من الايام أتى مصري قبطي الى عمر رضي الله عنه يشتكي يقول:
    انا مظلوم يا أمير المؤمنين
    قال له وماهي مظلمتك...؟؟؟
    قال سابقت محمد بن عمرو بن العاص والي مصر فسبقته بـــفرسي
    فنزل علي أمام الناس فضربني وقال لي تسبقني وانا ابن الاكرمين
    فقال عمر رضي الله عنه علي بالدرة
    فذهب الى محمد ابن عمروا فمسكه وضربه ضربا امام ابيه
    وذهب الى ابيه عمرو بن العاص فلمس صلعته وقال له
    متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ...؟؟؟
    وقبل بضعة عقود من الزمن قال المرحوم الشابي الذي توفاه الله وهو في نهاية عقده الثاني
    اذا الشعب يوما اراد الحياة فلا بد وان يستجيب الحياة .وتردد الشعوب المستضعفة نظرية علمية تدخل في مجال الفزياء ، الضغط يولد الأنفجار.
    هل اصبح شعب محمد،صلى الله عليه وسلم ، بعربه وأسلامه، مستعبدا الى هذا الحد..ما اجمل طرحك للموضوع ، وما اسلس كلامك ، ولكنه يطحن الصخور طحنا