إبراهيم غرايبة

الزمن في منظومة الإصلاح

تم نشره في الاثنين 17 كانون الثاني / يناير 2011. 03:00 صباحاً

للأسف الشديد، ليس هناك حل واحد وسريع للأزمة المعيشية والسياسية. ولا يفيد تخفيض الأسعار سوى التهدئة قليلا وخلق جو من الشعور بالنوايا الحسنة، ولا بأس بذلك على أي حال، ولكن الخطط والبرامج تحتاج إلى زمن، وربما يكون الزمن هو أحد مكونات الأزمة لدينا، ففي النزعة إلى النتائج السريعة، أو في إهمال عامل الزمن تتحول الخطط والمنجزات إلى الترهل والنسيان ويضيع الإصلاح، لأنه (الإصلاح) لن يتحقق بين عشية وضحاها، وسوف يضيع وينسى إذا أهملنا المدى الزمني المتوسط والبعيد. ولذلك، فإننا نتوقع من الحكومات والمجتمعات أن تحدد احتياجاتها بوضوح، وأن تحدد أيضا البرنامج الزمني لتحقيق احتياجاتها.

البطالة ونقص الموارد وارتفاع الأسعار تشكل الجزء الظاهر من جبل الأزمة، ولكن جذورها الحقيقية وكتلتها الرئيسة هي أزمة العدالة والثقة، ومدى قناعة المواطنين بعدد كبير من الوزراء والمسؤولين وفي أهليتهم وأحقيتهم في المواقع التي يشغلونها، وعدالة التشريعات والعمليات والسياسات المتعلقة بالضرائب وتوزيع الموارد والنفقات العامة، ومستوى العدالة والتنافس والمساواة في الفرص، سواء في الأعمال والوظائف وفي التنافس على الموارد والعطاءات والأعمال وتوريد الخدمات والسلع وتسويقها، وفي مستوى جودة ونوعية الخدمات العامة في التعليم والصحة والرعاية والثقافة والفنون، وفي التوازن بين القطاع الخاص والسلطة التنفيذية والمجتمعات، والمسؤولية الاجتماعية للقطاع الخاص. وفي المحصلة، فإن الإصلاح هو تصحيح العلاقة بين الموارد والنظام الاقتصادي والنظام السياسي والنظام الاجتماعي والثقافي على النحو الذي يجعلها مرتبطة ببعضها ارتباطا صحيحا، بحيث تتشكل المجتمعات والثقافات على النحو الذي يزيد الموارد ويجددها ليواصل من جديد إصلاح الأنظمة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.. وهكذا يتواصل الارتقاء بالموارد متبوعا بارتقاء متواصل بمستوى الحياة والمنظومة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

ولكن أحدا لا يعرف ما الصواب وما الطريق الصحيحة للتقدم والإصلاح، ولذلك أنشأت الأمم والمجتمعات الديمقراطية لأنها لا تعرف، ولأنها لا تعرف احتكمت لصناديق الانتخابات والتصويت لتتبع الأغلبية، ليس لأن موقف الأغلبية ورأيها هو الصواب، ولكن لأن اختيار موقف الأغلبية مجرد آلية للاحتكام وإدارة الخلاف، ما يعني بالضرورة أن جميع الآراء والمواقف الأخرى تحمل الفرصة نفسها في الاتباع والاحترام، ولا يغير من الحكم على صوابها أو فرصتها انها لا تتمتع بتأييد الأغلبية، لأننا ببساطة لا نعرف أو لا نملك اليقين الذي يقودنا إلى الصواب، وحده المستبد والمتسلط يملك اليقين والثقة المطلقة وحتى النسبية أيضا.

وهذا الجهل/ عدم اليقين أيضا سر الجمال، وهو بذلك أحد المصادر الرئيسة (الحق والخير والجمال) للفلسفات والحكم والأعمال وعلاقات المجتمعات والأفراد، فالقيم المستمدة من الجمال (أو هي الجمال نفسه)، وفي منحها "القيمة" للأفعال والأشياء، تقوم على البحث الدائم عن الأفضل/ الأجمل والتمييز المتواصل بين القبيح والحسن، ولولا "الجهل" بطبيعة الحال لما ارتقينا لما هو أجمل/ أفضل، وما أدركنا القبيح وما هو أقبح.

ibrahim.ghraibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الاصلاح (سناء)

    الاثنين 17 كانون الثاني / يناير 2011.
    مقالة جدا رائعة تستحق القراءة يا استاذ ابراهيم