آسيا في الميزان

تم نشره في الأحد 16 كانون الثاني / يناير 2011. 03:00 صباحاً

في العام الماضي، زار زعماءُ كل البلدان الخمسة الدائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الهندَ، بصحبة وفود من كبار رجال الأعمال.

الاقتصاد الهندي كان ينمو بمعدل يتجاوز 8% سنويا، الأمر الذي يجعله متزايد الجاذبية للتجارة والاستثمار. وعندما زار الرئيس الأميركي باراك أوباما الهند في تشرين الثاني (نوفمبر)، أعرب عن دعمه لعضوية الهند الدائمة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

وكذلك فعل رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، والرئيس الروسي ديميتري ميدفيديف. ولكن آخر الزائرين، وهو رئيس الوزراء الصيني ون جيا باو، لم يذكر أي شيء على الإطلاق حول هذا الأمر.

إن التصريحات الرسمية تؤكد على العلاقات الودية بين الهند والصين، ويزعم بعض المحللين التجاريين أن السوقين العملاقتين الأسرع نمواً سوف تشكلان على الساحة الاقتصادية ما نستطيع أن نطلق عليه "تشاينانديا".

عندما زار ون جيا باو الهند قبل عدة أعوام، وقع على اتفاق تعاون استراتيجي شامل مدته خمسة أعوام. وعلى حد تعبير رئيس الوزراء الهندي مانموهان سينغ في ذلك الوقت "فإن الهند والصين من الممكن أن تعيدا معاً صياغة النظام العالمي".

والواقع أن مثل هذه التصريحات تعكس قدراً كبيراً من التغيير بعد العداوة التي سممت العلاقات الهندية-الصينية في أعقاب الحرب التي نشبت بين البلدين في العام 1962 بسبب الحدود المتنازع عليها في الهيمالايا. ورغم ذلك فإن الانزعاج الاستراتيجي ما يزال قابعاً تحت السطح، وخاصة في الهند.

إن الناتج المحلي الإجمالي الصيني يبلغ ثلاثة أمثال نظيره الهندي، ومعدل نمو الصين أعلى من نظيره في الهند، وميزانيتها الدفاعية آخذة في الازدياد. وحتى الآن لم يتم الفصل في النزاع الحدودي، وكل من البلدين يتنافس مع الآخر على فرض نفوذه على البلدان المجاورة مثل ميانمار. وفي الأعوام الأخيرة عملت الصين من وراء الكواليس على منع العضوية الدائمة في مجلس الأمن من إضفاء طابع القوة العظمى على الهند.

بيد أن الحديث عن الهند بوصفها قوة عظمى في المستقبل أمر لا مفر منه، وبعض الهنود يتوقعون عالماً ثلاثي الأقطاب ترسي قواعده الولايات المتحدة والصين والهند بحلول منتصف القرن. ويعادل عدد سكان الهند الذي يبلغ 1.2 بليون نسمة أربعة أمثال نظيره في الولايات المتحدة، ومن المرجح أن يتجاوز عدد سكان الهند نظيره في الصين بحلول العام 2025.

ويزعم فيجاي جوشي من كلية سانت جونز بجامعة أكسفورد أننا "إذا بنينا على الاتجاهات الحالية، فسوف يتبين لنا أن الهند سوف تكون صاحبة ثالث أضخم اقتصاد وطني على مستوى العالم (بعد الولايات المتحدة والصين) في غضون 25 عاما.

كانت الهند لعقود من الزمان تعاني مما أطلق عليه البعض "معدل النمو الاقتصادي الهندوسي" الذي كان لا يزيد إلا قليلاً على 1 % سنويا. وبعد استقلالها في العام 1947، تبنت الهند سياسة متجهة نحو الداخل ركزت على الصناعة الثقيلة. ولكن تبين أن معدل النمو الاقتصادي لم يكن مديناً للثقافة الهندوسية بقدر ما كان مديناً للتخطيط الاقتصادي الاشتراكي المستورد من منظمة فابيان البريطانية الاشتراكية.

وبعد الإصلاحات الموجهة نحو السوق في أوائل تسعينيات القرن العشرين، ارتفعت معدلات النمو إلى عنان السماء، وأصبحت توقعات النمو في المستقبل تتجاوز الـ10 %.

ويطلق مارتن وولف من صحيفة فايننشال تايمز على الهند وصف "قوى عظمى سابقة لأوانها"؛ فهي دولة تتسم بمستويات معيشية منخفضة ولكنها تتمتع باقتصاد ضخم.

وهو يرى أن الاقتصاد الهندي سوف يكون أضخم من اقتصاد بريطانيا في غضون عشرة أعوام، وأضخم من اقتصاد اليابان في غضون عامين. والواقع أن الهند تتمتع بطبقة متوسطة ناشئة تبلغ عِدة مئات من الملايين من البشر، والإنجليزية من بين اللغات الرسمية في الهند، ويتحدث بها نحو خمسين إلى مائة مليون نسمة. وبالبناء على هذه القاعدة، فإن صناعة المعلومات الهندية قادرة على الاضطلاع بدور عالمي رئيس.

كما تتمتع الهند بقدر كبير من القوة الصارمة، إذ يقدر عدد الأسلحة النووية التي تمتلكها بنحو ستين إلى سبعين سلاحاً نوويا، إلى جانب الصواريخ المتوسطة المدى وبرنامج الفضاء، فضلاً عن 1.3 مليون فرد عسكري، وإنفاق عسكري سنوي يقرب من 30 بليون دولار، أو 2 % من إجمالي الإنفاق العسكري على مستوى العالم.

ومن حيث القوة الناعمة، فإن الهند تتمتع بنظام ديمقراطي راسخ، وثقافة شعبية نشطة تمتد إلى ما وراء حدودها. ويتمتع الهنود المقيمون في الخارج بنفوذ كبير، وصناعة الأفلام الهندية (بوليوود) هي الأضخم على مستوى العالم من حيث عدد الأفلام المنتجة سنويا، وتنافس هوليوود في أجزاء من آسيا والشرق الأوسط.

وفي الوقت نفسه، تظل الهند بلداً متأخراً إلى حد كبير من حيث النمو، حيث ما يزال مئات الملايين من المواطنين أميين يعيشون في فقر مدقع.

 والأمر الأكثر لفتاً للأنــظار أنه في حين أن 91 % من سكان الصين يعرفون القراءة والكتابة، و43 % من سكانها يعيشون في المدن والمناطق الحضرية، فإن النسبتين في الهند هما 61 % و29 % على التوالي.

وفي كل عام تنتج الهند نحو ضعفي عدد المهندسين وخريجي علوم الحاسب الآلي الذين تنتجهم الولايات المتحدة، ولكن مجلة "إيكونوميست" تؤكد في تقرير لها أن "4.2 % فقط منهم صالحون للعمل في شركات إنتاج البرمجيات، و17.8 % فقط منهم يمكن توظيفهم في شركات تكنولوجيا المعلومات، حتى بعد تدريبهم لستة أشهر".

ومن بين الأعراض التي تؤكد هذه الحقيقة الأداء الهزيل للهند في المقارنات الدولية للجامعات: حيث يشير ترتيب الجامعات الآسيوية لعام 2009، والذي أعدته مستشارية التعليم العالي،  إلى أن أفضل المؤسسات الهندية، أو المعهد الهندي للتكنولوجيا في بومباي، يأتي في المرتبة الثلاثين على مستوى آسيا.

وتأتي عشر جامعات في الصين وهونج كونج في مرتبة أعلى. وتشكل الصادرات الهندية من التكنولوجيا الفائقة 5 % فقط من إجمالي صادراتها، مقارنة بنحو 30 % بالنسبة للصين.

وهذا يعني أن الهند من غير المرجح أن تنمي موارد القوة اللازمة لجعلها مساوية للصين في غضون العقد المقبل أو العقدين المقبلين. وفي حين وقع البلدان على اتفاقيات ثنائية في العام 1993 والعام 1996، وهي الاتفاقيات التي وعدت بتسوية سلمية للنزاع الحدودي الذي أدى إلى حرب 1962، فمن الجدير بالملاحظة أن وزير الدفاع الهندي، قبل أن تجري الهند تجاربها النووية مباشرة في آذار (مارس) 1998، وصف الصين بأنها "عدو الهند المحتمل رقم واحد". وفي زمن أقرب إلى وقتنا الحاضر، في العام 2009، اشتعلت قضية الحدود مرة أخرى.

*أستاذ بجامعة هارفارد.

*خاص بـ"الغد"، بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق