أفكار حول طبيعة الحركات الجماهيرية

تم نشره في الجمعة 14 كانون الثاني / يناير 2011. 02:00 صباحاً

يقدم الفيلسوف الأميركي إريك هوفر في كتابه "المؤمن الصادق" أفكارا حول طبيعة الحركات الجماهيرية، جديرة بالتأمل والملاحظة. فهو يعتقد أن الحركات الجماهيرية على اختلاف تياراتها وطبيعتها (دينية أو قومية أو اجتماعية)، تحركها دوافع ومصالح وأفكار متصلة بطبيعة الجماهير والطبقات، وهي نفسها في جميع الأحوال، وتستقطب أتباعها من النماذج والأنماط نفسها.

ويعتقد هوفر أن الإحباط في حد ذاته لا يكفي لحشد الجماهير والأتباع، ولكن الجماهير تحركها نزعات واتجاهات وأفكار تعمل مع الإحباط، ومن هذه الدوافع التطلع إلى تغيير مفاجئ في الحياة والأوضاع المعيشية، ويرى أنه تكمن فينا جميعا نزعة إلى البحث خارج أنفسنا عن العوامل التي تصوغ حياتنا، حتى عندما يكون وضعنا هو نتيجة عوامل داخلية، كقدرتنا أو شخصيتنا أو مظهرنا أو صحتنا. يقول الفيلسوف الأميركي هنري ديفيد ثورو: "عندما يشكو المرء شيئا يحول بينه وبين القيام بواجباته حتى عندما يكون ألماً في أمعائه.. فإنه يبادر إلى محاولة إصلاح العالم".

وقد يبدو مفهوما برأي المؤلف أن الفاشلين ينزعون إلى تحميل العالم جريرة فشلهم، ولكنه يلاحظ أيضا أن الناجحين أيضا يؤمنون أن نجاحهم جاء بسبب الحظ السعيد، ذلك أنهم ليسوا متأكدين من معرفتهم بأسباب نجاحهم.

فالعالم الخارجي يبدو مثل آلة تدور على نحو يستحيل ضبطه أو توقعه، وما دامت هذه الآلة تدور في صالحهم فإنهم يتجنبون العبث بها، وهكذا فإن الرغبة في التغيير والرغبة في مقاومة التغيير تنبعان من المصدر نفسه: الإيمان بتأثير العوامل الخارجية.

ويستدرك هوفر بأن عدم الرضا في حد ذاته لا يخلق دافعاً للرغبة في التغيير، ولكن يجب ان تتضافر معه عوامل أخرى، وأحد هذه العوامل هو الإحساس بالقوة، فالذين يخافون من محيطهم لا يفكرون في التغيير مهما كان وضعهم بائساً.

ويقول إن الناس يقاومون شعورهم بالخوف بإخضاع وجودهم لروتين ثابت، موهمين أنفسهم أنهم بهذه الوسيلة يتجنبون المفاجآت، وهكذا نجد الصيادين والبدو الرحل والمزارعين الذين يعتمدون على تقلبات الطقس والفنانين الذين ينتظرون الإلهام يخافون من التغيير، ويواجهون العالم كما يواجهون قضاة يتحكمون في مصيرهم، ونجد عند الفقراء نزعة محافظة بعمق النزعة المحافظة عند الأغنياء، وأما الأشخاص الذين يندفعون لإحداث تغييرات واسعة فإنهم يشعرون أنهم يملكون قوة لا تقهر.

وامتلاك القوة لا يكفي للتغيير، ولكن لا بد من الإيمان المطلق بالمستقبل، وعندما يغيب هذا الإيمان تصبح القوة داعمة للأوضاع القائمة ومناهضة التغيير، فالراغبون في التغيير يوقدون الآمال الجامحة.

ويجب أن تكون لديهم تطلعات جامحة إلى المنجزات التي ستأتي مع المستقبل، وفي النهاية يجب أن يكونوا جاهلين جهلا تاما للعقبات التي ستعترض طريقهم، أما المجربون وذوو الخبرة فيأتي دورهم في مرحلة لاحقة، ولا ينضم هؤلاء إلى الحركات الجماهيرية إلا بعد التحقق من نجاحها.

ibrahim.ghraibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »جميل (وائل أبو هلال)

    الجمعة 14 كانون الثاني / يناير 2011.
    ويجب أن تكون لديهم تطلعات جامحة إلى المنجزات التي ستأتي مع المستقبل، وفي النهاية يجب أن يكونوا جاهلين جهلا تاما للعقبات التي ستعترض طريقهم، أما المجربون وذوو الخبرة فيأتي دورهم في مرحلة لاحقة، ولا ينضم هؤلاء إلى الحركات الجماهيرية إلا بعد التحقق من نجاحها.

    جميلة ومعبّرة هذه الخاتمة إذ أنني دوما ما كنت أعتقد أن أحد كوابح التغيير "المقيتة" هي الخبرة ومدّعيها؛ إذ كلما نهضت الهمة بأحد للتغيير جلده "أهل الخبرة والتجربة" بسياط الحذر من الفشل والتنبؤ بالعقبات التي مرّت عليهم ... ولهذا فلا عجب أنّ التغيير دوما يأتي ممن لا يعرفون الحساب .. كيف سيغيّر أو يفكر بالتغيير من يحسب ثمن المحاولة؟ كيف سيقدم على التغيير من يخطط لكل خطوة حتى لا يفاجأ بالمجهول؟
  • »تحقيق احلام اليقظة (م. سليمان الشطي)

    الجمعة 14 كانون الثاني / يناير 2011.
    اذا الشعب يوما اراد الحياة فلا بد ان يستجيب القدر ,على الانسان يسعى ويسارع نحو التغيير وتحقيق اليقين والطموح ولا داعي للرهبة من المجهول اذا كان الواقع ارهب واعقد ,فكل فرد في المنضومة الانسانية يملك افكار واحلام يقظة ثمينة ولكن كل ما ينقص هو الحماس الذي هو بمثابة الوقود الحيوي المحترق في احشاء الجسد لتحقيق الغايات وما يتصور بانه سبب الوجود في الوجود بعد عبادة الله عز وجل.