مواطنونا المسيحيون.. وجغرافيا فنجان قهوة

تم نشره في الجمعة 14 كانون الثاني / يناير 2011. 03:00 صباحاً

كنّا نتسوق معا، فأخذني إلى رف عبوّات القهوة السريعة، يرشدني إلى القهوة التي أعجبتني عندما دعاني إليها في المكتب، حيث نعمل معا؛ كنت أكتب في السياسة ويكتب هو في المال والاستثمار. ثم أرشدني إلى سر القهوة، فهذا صنف من النوع الأشهر عالميا، عليه إشارة بأنّ نوع حبيبات القهوة فيه "آرابيكا". قلت له: إذا فالقهوة عربية. ولكن الصديق الإكوادوري، القادم للعمل في الخليج، رفض الفكرة، وقال لا بد أنّ للكلمة معنى ثانيا، فما علاقة القهوة الأميركية بالعرب؟

بعد التسوق ذهبنا إلى مقهى يقدم أنواع "موكا" و"موكاتشينو". سألته: أتعرف معنى "موكا"؟ فبدأ يتحدث عن طرائق صنعها. قلت له: ولكن الكلمة عربية الأصل؛ تعود إلى ميناء المخا في اليمن، الذي اشتهر بتصدير القهوة في القرنين السادس عشر والسابع عشر. بدأ الصديق -المحب للشرق الأوسط- يقتنع، ولكنه سألني: ماذا قدمت منطقتكم للعالم؟ أجبته وأنا أعرف تدينه: سأكتفي بشيء واحد، لقد كانت هي المنطقة التي انتقل منها الدين المسيحي إليكم.

حديثه ذكرني بكتاب المستشرق برنارد لويس "ما الذي حدث خطأً؟"، ويبحث فيه تاريخ تراجع العالم الإسلامي. ويقول إنّ القهوة جاءت أصلا من إثيوبيا، وانتقلت من موانئ البحر الأحمر، عبر الجزيرة العربية ومصر، إلى سورية ثم تركيا وأوروبا. أمّا السكر، فجاء من بلاد فارس والهند. ولفترات طويلة فإنّ القهوة والسكر كانا يأتيان إلى أوروبا من الشرق الأوسط، أو من خلاله، إلى أن اكتشفت القوى الاستعمارية إمكانية زراعة القهوة والسكر بتكلفة أقل في مستوطناتها.

وبدأت بتصديرهما إلى "الأراضي العثمانية". ومع نهاية القرن الثامن عشر أصبح أي تركي أو عربي يريد الاستمتاع بفنجان قهوة مُحلّى يستخدم قهوة قادمة من جافا (الأندونيسية)، الواقعة تحت الاستعمار الهولندي، أو أميركا اللاتينية (الإسبانية)، وسكرا من المستعمرات الفرنسية والبريطانية في غرب الإنديز. وبحسب لويس، فإن الماء الساخن فقط كان محليّا. ولكنّ الأمر لم يبق كذلك؛ ففي القرن التاسع عشر سيطرت شركات أوروبية على مصادر المياه والغاز في مدن الشرق الأوسط، فأصبحت تتحكم حتى في ماء فنجان القهوة العربي.

لم أمض في توضيح قصة القهوة لصديقي فرناندو، واستثمرت اللحظة للدعاية العروبيّة وللموضوع الفلسطيني، عندما اكتشفت أنّه لا يعلم عن المسيحيين العرب. أخبرته أنّ رموز الحركة القومية العربية مسيحيون، أمثال قسطنطين زريق، وميشيل عفلق، ونجيب عازوري. فأخبرني وقد أخذته حماسة ممزوجة بالدهشة أنّ اسم زوجته المتدينة جدا "بيلين" يعني "بيت لحم". تحدثت له عن أنّ نسبة المسيحيين في القدس كانت العام 1922 نحو 23 %، وهي الآن أقل من 2 % بسبب الاحتلال. حدثته عن جورج حبش، وعن خليل السكاكيني ودوره في النهضة التعليمية، والمطران كابوتشي ودوره في المقاومة، وعن الأب عطاالله حنا، وعن كمال ناصر عضو قيادة فتح، واغتياله في بيروت العام 1973، وعن آخرين.

كان هذا الحديث قبل نحو أربعة أعوام، وقد هاجر فيرناندو إلى ميامي وانقطعت الصلات. ماذا سأقول له الآن عن كنيسة النجاة في العراق؟ وعن كنيسة القديسين في الإسكندرية؟ هل أخبره أننا نفقد كل شيء؛ قهوتنا، ومواطنينا، وتنوعنا، وعهودنا، وذمتنا.. وننحدر أكثر؟!

سأخبره عن أوديت وزميلاتها وزملائها الأردنيين والفلسطينيين الذين التقيتهم صيف العام الماضي مدعواً من صديق في عمّان، بعضهم مضى على هجرة عائلاتهم إلى بلادك يا صديقي، في تشيلي وكولومبيا أكثر من مائة عام، وقد عادوا يدرسون العربية في الجامعة الأردنية، ويزورون فلسطين ودمشق وبيروت وعمّان ومادبا، ويتعرفون إلى قضيتهم. سأخبره أنّ هناك مسيحيين فلسطينيين في تشيلي أكثر ممن هم في فلسطين! ولكني أحلم بعودتهم يوما مع غيرهم، عندما تستقيم الحال، "فكلنا في الهمّ شرق".

 ahmad.azem@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقالة رائعة (أردنية)

    الجمعة 14 كانون الثاني / يناير 2011.
    مقالة جميلة جدا. أبدعت.
  • »رائع (شيرين)

    الجمعة 14 كانون الثاني / يناير 2011.
    مقال رائع جدا يا دكتور أحمد
    المسيحيين العرب تائهين بين رفض الشرق لهم بسبب الدين ورفض الغرب لهم بسبب القومية
    كان الله في عونهم
    شكرا لك على هذا المقال الثمين
  • »المستشرقون وعداؤهم للاسلام والحضارة العربية والأسلامية (د, عبدالله عقروق /فلوريدا)

    الجمعة 14 كانون الثاني / يناير 2011.
    هل نسي فرناندو ان السيد المسيح فلسطينيا؟ فما دام السيد المسيح ظهر في عالمنا العربي ،فلا بد أن اتباعه كانوا عربا نصارى .وان الأسلام جاء في القرن السادس فالدين النصراني كان من احد الأديان في فلسطين والدول المجاوره ..ولو عرف السيد فرناندو من هم اوائل البابوات في الديانة الكاثولوكية ، لكان صدم صاحبنا لو عرف انهم كانوا عربا منن سوريا..
    ما دمنا نتكلم هن المستشرقين .فهؤلاء الذين اساؤا الى الدين الاسلامي ، والتاريخ العربي الاسلامي ، والحضارة العربيىة والأسلامية عمدا مع سبق الأصرار
  • »شكرا (ح)

    الجمعة 14 كانون الثاني / يناير 2011.
    لا يمكن فصل التوام المسيحي الاسلامي عن بعضهما
  • »كُلنا في عُرف قنابلهم سواء (نورا جبران)

    الجمعة 14 كانون الثاني / يناير 2011.
    قل له أننا فقدنا شعورنا بعظمة الإسلام وحقيقته، فقدنا مع تراكم خيباتنا وجهالاتنا إدراكنا لروح الإسلام وعدالته وتقبله الحقيقي للاختلاف الطبيعي بين الناس.. وبأن جماعات من العبثة تصدوا لإفساد عقول النشء وتشويه سويتهم، وتجنيدهم لتحقيق أبخس غاياتهم باسم الدين، والدين منها براء.. والله ورسوله من دماء هذه الأرواح البريئة براء. قل له بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم منع المسلمين في الحرب من تعكير صفو عابد في صومعة! فكيف به مع الجار والصديق وذي الذمة؟!
    قل له بأن المتنورين والمعتدلين من أبناء المسلمين لم يتصدوا للدفاع عن حقيقة الإسلام وتعريفه الصحيح للشباب المسلم، ولغير المسلمين من خلق الله، وتركوا لأمر والنهي لمن انحرفت فطرتهم، وانحدرت أخلاقهم، وجفت منابع الإنسانية في نفوسهم!
    قل له بأن هؤلاء لم يقرؤا كلام الله ولم يفقهوا سيرة نبيه، ولم تدرك عقولهم إنسانية وعدالة الإسلام..
    ولعله من الدقيق أن تقول له: بأن هؤلاء لا يميزون بين دم مسلم أو مسيحي أو بوذي اختلفوا معه، فحين يضيق الأفق وتنحرف الفطرة وتنعدم الرحمة، وتعلو الفئوية الضيقة، نصبح كلنا في عُرف قنابلهم سواء..