الطائفية: قبل أن يكتفي بعضنا باتهام الحكومة.. ما هي حدود مسؤولية المجتمع؟

تم نشره في الخميس 13 كانون الثاني / يناير 2011. 02:00 صباحاً

هذه دعوة لنا كمواطنين بعدم إلقاء كامل المسؤولية السياسية لتفجير كنيسة القديسين بالاسكندرية وما سبقه من أعمال عنف ضد الأقباط المصريين على الحكومة وأجهزتها التنفيذية والأمنية. ففي مثل هذه المقاربة تجاهل خطير لمسؤولية المجتمع عن تصاعد التحريض الطائفي والتوترات الطائفية خلال الأعوام الأخيرة، وما أدى إليه من تحول البيئة المجتمعية في مصر إلى بيئة قابلة جزئيا لأعمال العنف ضد الأقباط وغير ممانعة للتمييز ضدهم.

فقد تركنا كمجتمع، والمسؤولية تقع هنا بالأساس على عاتق الأغلبية المسلمة، ساحات واسعة خاصة في مجالات الدعوة الدينية والإعلام التقليدي والحديث لفعل خطابات التحريض الطائفي، وسمحنا لها أن تصيغ قناعات وتفضيلات قطاعات معتبرة من المسلمين المصريين على نحو باعد في مرحلة أولى بين سياقات حياتهم اليومية وبين سياقات حياة الأقباط، وصولا إلى الفصل شبه التام. ثم، وفي مرحلة ثانية، رتبت خطابات التحريض الطائفي هذه بين الكثيرين من المسلمين المصريين، تبلور تفضيل واضح باتجاه قبول دعوات "مقاطعة الأقباط" والترويج لها (من شاكلة ما شاهدناه العام الماضي في الإسكندرية وغيرها من المدن المصرية من حملات شعبية رفعت شعار "قاطعوا بضائع النصارى")، بل وصمتا وعدم اعتراض على أعمال العنف التي ترتكب بحقهم أو التمييز المستمر ضدهم.
هل توقعت الأغلبية المسلمة من الأقباط المصريين، ومع التحريض الطائفي ضدهم ومع كل النواقص الخطيرة الواردة على حرياتهم الدينية وحقوقهم السياسية وأمنهم الشخصي، أن يصبروا صامتين ومحتسبين على معاناتهم من دون امتعاض أو رد؟ وهل انتظرت الأغلبية المسلمة أن يمر تحريضها الطائفي من دون خطاب طائفي معاكس بدأ في التبلور بأوساط الأقباط وحرض ضد المسلمين أو "الضيوف المغتصبين" كما يشار إليهم بهذه الأوساط؟ وهل توقعنا كمجتمع أن يمر الانتقاص من المقدسات المسيحية من قبل أشباه الدعاة ومروجي خطابات التحريض من دون انتقاص مضاد من المقدسات الإسلامية؟

المؤكد هو أن الأغلبية المسلمة فشلت فشلا ذريعا في الاضطلاع بمهمتها المجتمعية في الحفاظ على وتجديد دماء قيم التنوع والتسامح والانفتاح على الآخر القبطي، وفي تحصين البيئة المجتمعية ضد التمييز وأعمال العنف الطائفي التي باتت خلال الأعوام الأخيرة في تصاعد مستمر. مثل هذا الوضع الداخلي الخطير لن يتغير للأفضل طالما داومنا نحن على قصر المسؤولية عن تفجير كنيسة القديسين وغيره على الحكومة والأجهزة الرسمية، وأعفينا المجتمع والأغلبية المسلمة من المسؤولية. كما أن مجرد توجيه أصابع الاتهام إلى الحكومة والدعوة بعمومية بالغة إلى الديمقراطية والإصلاح السياسي كحلول سحرية لكل أزماتنا بما فيها الطائفية، وهو ما ذهبت إليه معظم قوى المعارضة، يدلل على قصور في الرؤية وخلل في المقاربة لا يريان بسياقات المجتمع إلا السياسة، ولا يلمحان في خريطة الفاعلين المسؤولين إلا الحكومة السلطوية العاجزة.

إلا أن هذه دعوة أيضا للحكومة، أو لنقل للعقلاء داخلها وحولها، للامتناع عن اختزال تفجير كنيسة القديسين إلى مؤامرة خارجية وعمل إرهابي نفذته عناصر إرهابية غير مصرية تجتهد الأجهزة الأمنية اليوم لإلقاء القبض عليها والحيلولة بينها وبين القيام بأعمال عنف جديدة. فحتى وإن كان التفجير بالفعل من تنفيذ عناصر خارجية (وهو ما لم يتأكد إلى لحظة كتابة هذا المقال)، فما كان له أن يحدث أو غيره من أعمال العنف الطائفي لولا أن البيئة المجتمعية في مصر، بل والبيئة القانونية والسياسية قابلة لحدوثه. وهنا الخيط الناظم في ما خص ذاك الجزء من المسؤولية عن التحريض والعنف الطائفي الذي تتحمله الحكومة والأجهزة الرسمية.

فالثابت هو أن الحكومة لم تتحرك خلال الأعوام الأخيرة للحد من التمييز القانوني ضد الأقباط، والذي يطال حرياتهم الدينية (بناء دور العبادة وصيانتها). كما أنها لم تقم بالكثير للتعقب القضائي الفعّال لمرتكبي أعمال العنف ضد الأقباط. كذلك قبلت الحكومة عمليا، ومن دون مبادرات حقيقية للتغيير، تطور بيئة سياسية تتسم بتهميش خطير للأقباط في المجالس التشريعية والأجهزة الإدارية والتنفيذية، وفي عدد النواب الأقباط المنتخبين بمجلس الشعب الجديد دليل بين على التهميش هذا. بل إن الحكومة، وفي ظل محدودية فعلها الهادف إلى الحد من التمييز القانوني والتهميش السياسي للأقباط وغياب المبادرات الجادة، اختزلت التوترات الطائفية وأعمال العنف إلى مكونها الأمني وحاولت بأدواتها الأمنية المعهودة السيطرة عليها، وكانت النتيجة فشلا ذريعا وتراكما للتمييز ضد الأقباط، حوّلهم عمليا إلى مواطنين من الدرجة الثانية.

المسؤولية عن العنف الطائفي والتمييز ضد الأقباط هي إذن مسؤولية مشتركة بين الأغلبية المسلمة والحكومة، ولن نستطيع القضاء على الأمرين إلا بفعل مباشر ومنظم من قبل الطرفين المجتمعي والحكومي. على المدى القصير، يمكن للحكومة تغيير البيئة القانونية للأفضل من خلال إصدار قانون عادل وموحد لدور العبادة والتعقب القضائي السريع لمرتكبي أعمال العنف الطائفي، فلم يصدر إلى اليوم حكم قضائي نهائي واحد بشأن أعمال العنف هذه منذ كشح التسعينيات وإلى نجع حمادي مطلع العام 2010. وعلى المدى القصير، يمكن للأغلبية المسلمة، أو لنقل للقطاعات بداخلها التي ما تزال محصنة ضد التحريض الطائفي، القيام سريعا بمبادرات أهلية تنتصر للأقباط وأمنهم وحرياتهم الدينية.

أما على المدى الطويل، فينبغي على الحكومة التدبر في السياسات والإجراءات التي لها إن طبقت الحد من التهميش السياسي للأقباط، مثل إدخال الكوتا القبطية بالبرلمان والمجالس المحلية. وعلى المدى الطويل أيضا، ليس لنا إلا أن نعول على قدرة الأغلبية المسلمة على محاصرة خطابات التحريض الطائفي والابتعاد عنها بتجديد دماء التزامها التسامح والانفتاح على الآخر في ظل مواطنة مدنية تضمن، نصا وواقعا، الحقوق المتساوية بغض النظر عن الانتماء الديني. ولا يساورني أدنى شك بأن الأغلبية المسلمة إن نجحت في تجديد التزامها بالتسامح والمواطنة المدنية ستجد العدد الأكبر من الأقباط المصريين في صفها ومعها وأمامها.

* كاتب عربي من مصر

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »احذروا التطرف (سامح سامح)

    الخميس 13 كانون الثاني / يناير 2011.
    تحية مني للدكتور عمرو حمزاوي ، اذ نقل لنا بتاريخ 13/10/ 2011 ، ما يعبر عن مسؤولية المجتمع في تنمية الطائفية المقيتة التي يقف وراءها رتل ممن يجهلوا أحكام الاسلام االسمح الحنيف .. وانه لمخطيء ، وأيما خطأ ،كل من يلقي على حكومة مصر ، أو سواها تبعة ما يشهده العالم من اقترافات دموية غذاؤها من عشقوا تكفير من هم سواهم حتى ولو كانوا من المسلمبن، لمجرد الاختلاف معهم بالرأي .. انه المساس بسلطان المولى العزيز القدير . .
    واسلامنا النقي ، خال من تلك الشوائب التي صنعها جاهلون ، نسوا أو نتاسوا بأن ( الله رب العالمين).وأكرر القول بأن (الله رب العالمين )
    سامح سامح
    samehsameh@hotmail.com
  • »اقباط الداخل...واقباط الخارج (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الخميس 13 كانون الثاني / يناير 2011.
    كل قبطي في مصر وخارجها ، حتى لو كان طفلا يؤمن أن مصر لهم على اعتبارهم ابناء الفراعنة .وأن العرب والمسلمين هم غزاة احتلوا بلادهم ، واخذوا البلاد منهم ..اضافة الى ذلك فأن الأقباط لا يعترفون بالأسلام اطلاقا ، غير انهم غزاة .وهذا ما صرح به احدذ كهتنتهم على التلفزيون قبل سنوات ..ان المشكلة الكبرى التي يواجهها الأقباط في الداخل هم اقباط الخارج ..فهؤلاء يهاجمون المسلمون في الخارج علانية ، ويقومون بمظاهرات تهتف بسقوط الحكومة ، ورئيس الجمهورية ، ويستدعون الصحافة لتلتقط لهم الصور وهم يحملون لافتات ضد الاسلام وضد الحكم في مصر ..وطبعا تستغل هذه الفئة الكبيرة اليهود والأمريكان الحاقدين على مصر ، ويشجعوهم في شتم الأسلام في مصر .وينسون هؤلاء بأن الحكم في بلاد الغرب يحميهم على اعتبار حريات الصحافة ، ولكنهم لا يفكرون لحظة واحد من سيحمي اقباط الداخل من ردات الفعل في الخارج ..ان مصلحة كل من الولايات المتحدة واسرائيل أن تفتعل الكثير من الأحداث بمساندة الأقباط .وما حدث مع هذه التي اسمها كاميليا التي اسلمت ، فلو حاولنا ان نجري دراسة لماذا اسلمت ؟ هل عن قناعة ، أم لغاية في نفس يعقوب ؟ وما المانع أن تكون وجهت لها المخابرات المصرية والتي تعتبر المنفذ لسياسات المخابرات الأمريكية المركزية بأعطائها مليون دولار لتسلم .ثم يحموها من اهلها ويسفروها للولايات المتحدة مع مليون دولار في جيبها .وهكذا تثور الأمور في لداخل ويبدأ العراك التي أصله هذه الفتاة المستهترة بكل القيم الأخلاقية والتي قبضت ثمن فعلتها