البوسنة في مجلس الأمن: من ضحية إلى رئيسة

تم نشره في الخميس 13 كانون الثاني / يناير 2011. 03:00 صباحاً

في كانون الثاني الحالي، تسلّمت البوسنة رئاسة مجلس الأمن الدولي بعد أن كانت قد انتخبت في العام 2010، مع لبنان، لشغل عضوية مجلس الأمن خلال الفترة 2010-2011. وربما من المصادفة أن تكون البوسنة التي عانت مثل لبنان من التدخل الإقليمي والاقتتال الداخلي/ الديني تمثّل الآن مجلس الأمن الذي ينظر في حالات مماثلة في الصومال والسودان وسيراليون... الخ.

ولكن مشهد البوسنة، الرئيسة الحالية لمجلس الأمن، يثير الشجون ويستثير الذاكرة من تلك السنوات عندما كانت البوسنة حاضرة باستمرار كضحية في مجلس الأمن. فقد كانت جزءا من يوغسلافيا الفيدرالية حين أخذت هذه الأخيرة تنهار في العام 1991، وعندما أجرت الاستفتاء على الاستقلال في شباط 1992، والذي أيّدته غالبية السكان (المسلمون والكروات) واعترض عليه الصرب، اندلعت الحرب الأهلية التي تدخلت فيها الدولتان المجاورتان صربيا وكرواتيا. وقد تحولت هذه الحرب إلى كارثة إنسانية مع المجازر الجماعية و"التطهير العرقي".

ولذلك، فقد كان من الطبيعي أن تكون البوسنة حاضرة باستمرار كضحية في مجلس الأمن خلال تلك السنوات. وربما يمكن القول إنها ضربت الرقم القياسي بالجلسات التي عقدت والقرارات التي اتخذت لأجلها، حيث وصل عدد هذه القرارات إلى أكثر من سبعين قرارا خلال الفترة 1992-1995.

ورغم من تضارب المصالح الدولية آنذاك حول البوسنة بين روسيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، حيث إن روسيا كانت مؤيدة للطرف المعتدي/ المنتصر في الحرب، وأوروبا كانت مترددة في التدخل، بينما الولايات المتحدة كانت تدفع لأجل التدخل العسكري بتفويض من مجلس الأمن، إلا أن البوسنة نجت في النهاية من المصير الأسوأ (التقسيم)، وعادت دولة واحدة بحدودها الدولية المعروفة.

ومع أن اختيار البوسنة في العام 2010 لعضوية مجلس الأمن شكّل خطوة رمزية في استعادة البوسنة لشخصيتها الدولية، إلا أنه من المأمول أن تساعد هذه الخطوة البوسنة على مزيد من الانصهار في الداخل لتحظى بعضوية أهم: الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

وربما كان من المفارقات أن تبدأ البوسنة رئاستها لمجلس الأمن بالقضية الأولى التي تذكّرها بالماضي: الاستفتاء على الانفصال في السودان الذي بدأ في 9 كانون الثاني (يناير) الحالي، وما يزال متواصلا. فقد بدأت مشكلة البوسنة بالاستفتاء على الاستقلال في 29 شباط (فبراير) 1992 الذي نظّم على عجل ومن دون توافق الأطراف الرئيسة، مما أدى إلى الاعتراض على النتيجة والاقتتال العنيف بين تلك الأطراف.

ومن ناحية أخرى فقد تصادف أن يكون جدول الأعمال الموجود والمتوقع حافلا بالمشاكل القديمة الجديدة، التي بدأ بعضها قبل حرب البوسنة وما يزال مستمرا في انتظار التدخل الدولي العادل مثل ما بقي من حرب 1967 في الشرق الأوسط  والصومال وسيراليون ونيبال وغيرها.

وعلى كل حال، فإن وجود البوسنة في عضوية مجلس الأمن لهذه الدورة وكرئيسة له في هذا الشهر يرمز إلى التغير الحاصل في العالم، وإلى الأمل بأن يكون حضور البوسنة في هذا الموقع الدولي حافزا للعمل في ألا يتكرر ما حصل معها في دول أخرى مرشحة لذلك بفعل الاحتقان الداخلي الذي يشجع على التدخل الإقليمي.

mm.arnant@alghad.jo

التعليق