محمد برهومة

حُزنُ السودان القديم

تم نشره في الثلاثاء 11 كانون الثاني / يناير 2011. 02:00 صباحاً

"لم يقدّموا لنا عنصراً جاذباً للوحدة.. واستغلوا التنوّع في السودان استغلالاً سيئاً.. ولذا نريد الانفصال هرباً من وحدة جعلتنا مواطنين من الدرجة الثانية". تلك أهم الأسباب التي قالها جنوبيو السودان في تبرير تأييدهم الانفصال عن الشمال في الاستفتاء التاريخي الجاري الآن. ويزيدون قائلين: إنّ الوحدة إنما قامت على فرضية تقول إنّ السودان بلد عربيّ وإسلاميّ، وإنّ ما هو غير عربي فيه أو غير مسلم سيندمج مع الوقت من تلقاء نفسه في العربي والإسلامي. لكنّ الواقع والتجربة قالا غير ذلك! حيث لم يتم تأسيس هذه الفرضية على ركيزة جوهرية تفيد بأنّ هذا الاندماج المُشتهى أو المتوقّع لا يكون إلا عبر تمتين رابطة المواطنة والمساواة في اقتسام السلطة والثروة، وأنّ هذا الاندماج المشتهى أو المتوقع لا يكون عبر الإقصاء والتهميش.

حربان أهليتان منذ الاستقلال السوداني قالتا شيئا واحدا عن سبب هاتين الحربين، وهو الفشل في إدارة التنوع والاختلاف بشكل ديمقراطي وسلمي قائم على العدل والاختيار الحرّ. فالحرب نشأت في جنوب السودان بسبب سياسة تهميش مارستها أنظمة مركزية ضد أقليات وتنوعات عرقية واجتماعية وثقافية، كان اندماجها، في غياب المساواة والعدالة، خياراً قسريا وصل الآن إلى حالة الانفراط المحزن الذي نراها اليوم.

السودان ليس حائطاً واطئاً لنقول عنه ما نقول، بل هو مثال لحالة عربية قابلة للتعميم والمراجعة، وأخذ العبر والدروس. فقد أخطأ الخطاب القومي العربي عموماً حين اعتقد أنّ وحدة اللغة والجغرافيا والتاريخ المشترك تُنتج بشكل ميكانيكي وحدةً عربية. وربما أخطأ هذا الخطاب أيضاً حين افترض أو آمن أنه لا يحول دون تحقيق هذه الوحدة سوى المؤامرات الخارجية التي تقودها الصهيونية والإمبريالية والاستعمار. وجوهر هذين الخطأين تمثّل في التغاضي عن حقائق أساسية تذهب إلى أنّ اللغة والتاريخ المشترك والجغرافيا ليستْ كافية لتخلق من تلقاء نفسها وحدة جزئية أو كلية، ناهيك عن القول إن عوائق الوحدة الداخلية في البلدان العربية لم تكن أقل من العوائق الخارجية.

الخبرة العربية تقول إننا سلكنا أسوأ الطرق نحو الوحدة. فقد استلهمت الوحدة بين مصر وسورية النموذج البسماركيّ القائم على التوحيد بالقوّة ومن دون تدريج، والقائم أيضا على أنّ ثمة مركزاً (مصر هنا) ولا بدّ أنْ تدور الأطراف والأجزاء الأخرى من حوله. ومراجعة تجربة الغزو العراقي للكويت (1990) والتدخل المصري في اليمن، والتجربة السورية في لبنان، وتجارب ليبيا الوحدوية... وغيرها تقول إن أسوأ طرق قيام الاتحادات تكون عبر الطرق الثورية والانقلابات العسكرية، وتقول أيضا إن أيّ وحدة لا تقوم على الاختيار الشعبي والاقتناع الناضج إنمّا تعني تغاضياً عن حقائق الواقع وقضماً لحقوق الناس.
إنّ أحد أهم الدوافع التي ارتكز عليها الخطاب القومي المنادي بالوحدة هو أنّ الدولة القُطرية فاشلة وحدها ولا نجاح لها إلا بالوحدة. لكنّ ما غفل عنه هذا القول، كما دلّتْ التجارب، هو أنّ فشل الأجزاء من المستحيل أنْ يخلق نجاحا في الكلّ، وأنّ داء الاستبداد في دولتين، مثلاً، لا يزول إذا ما أصبحتا دولة واحدة. إن الاتحاد الناجح هو محصلة نجاحات أجزائه سياسيا واقتصاديا واجتماعياً.

كان المفترض أن ننجح في إنتاج دول قُطرية نموذجية في التنمية والديمقراطية ثمّ نترك المجال لمواطني هذه الدول للتفكير في الاتحاد مع جيرانهم عبر الاستفتاء الشعبي الحر النزيه، وليس عبر قرارات فوقية.

إنّ العروبة والإسلام لا يخسران حين تتشكّل مثلا هوية وطنية أردنية أو فلسطينية أو سورية ناضجة تقوم على رابطة المواطنة والمساواة أمام القانون والمحافظة على الحريات. وإنّ العروبة والإسلام لا يكسبان حين تتوحّد مصر والسودان وتكون مصر وحدها فاشلة تنموياً وسياسياً والسودان وحده فاشل تنموياً وسياسيّاً.
إنّ الحدث السوداني الحزين يكرّ سُبحة تجاربنا الفاشلة!

mohammed.barhoma@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »وحدة مصر وسورية (مجدي ج)

    الثلاثاء 11 كانون الثاني / يناير 2011.
    مع الإحترام لكتبنا الفاضل ولكن الوحدة السورية المصرية لم تقم بالقوة العسكرية بتاتاً، لو كان ذلك صحيحاً لكم عبدالناصر بالتدخل العسكري الدموي عند حصول الإنقلاب العسكري في الشطر السوري، بل وعاد المنقلبون يطلبون بالوحدة مرة أخرى ولكن عبدالناصر طلب منهم التريث هذه المرة و إنشاء وحدة بطريقة أذكى وعلى مدى أطول.