محمد برهومة

"يا نعيش سوا.. يا نموت سوا"

تم نشره في الأحد 9 كانون الثاني / يناير 2011. 03:00 صباحاً

كان هذا صوت الناس البسطاء والعقلاء في الإسكندرية ومصر ردّا على جريمة كنيسة القديسين، التي أسّسَت لها ثقافة وسياسة أكّدتْ أنّ الفتنة موجودة في الأساس، ولكنها كامنة. والكُمون هذا يترسّخ بفعل كنيسة ترى نفسها دولة ضمن الدولة، تدافع عن المسيحيين وتمثلهم وترعى شؤونهم وتؤكّد اختلافهم، وهو ما تختزله العبارة الصادمة "شعب الكنيسة"! على الجهة المقابلة، تفشل الدولة في إرساء عقد المواطنة والتمثيل المتساوي لكل أبنائها وشراكتهم العادلة في الوطن ومؤسساته. وهي فتنة كامنة من جانب ثالث بفعل نخبة تؤسس لفكر "التمييز" الطائفي والعقائدي والمذهبي، وتتقن "فن إيجاد الحواجز" و"الفصل" بدلا من فكر الشراكة والتواصل والمواطنة واحترام الإنسان ومقاومة الظلم والاستبداد.

"يا نعيش سوا.. يا نموت سوا" صرخة أكثر وعياً وعقلانية وأجدى نفعا من سياسات رسمية عاجزة، وزبد فكري يقف معه كل عاقل مذهولا يتمتم من شدة غيظه قائلا: "آه.. يا زمان الطائفية"!

الفضاء العام ملك لكل مواطن وليس حكرا على أصحاب دين ما. هذه علمانية، مهما تجنبنا التفوّه بها، مراعاةً لما تثيره الكلمة من حساسيات! العلمانية تُعنى بإيجاد العدالة في تحقيق الملكية المشتركة بين جميع المواطنين للفضاء العام. والمجتمعات تقوم في الأساس على التنوع والتعدد والاختلاف، ووظيفة العلمانية تنظيم هذه الاختلافات. ولا بد أنْ تقف إلى جانب العلمانية ديمقراطية تضمن نزاهة وعدالة تمثيل الناس والتعبير عنهم. ولكي نمنع العلمانية من التطرف باتجاه استبعاد الدين والمتدينين، لا بد من قيم المواطنة الليبرالية من حرية تعبير ومعتقد وحريات عامة وخاصة، تجعل من جهة مفهوم العلمانية (بوصفها حياد الدولة أمام الأديان) مفهوما غير جائر، وتمنع في الآن ذاته استبداد الديمقراطية بحيث لا تتحكم الأغلبية بمصير الأقلية. بل إن قيم المواطنة الحقة تتيح للأقلية في ظل الديمقراطية المجال في أنْ تحكم أو أنْ تصبح أغلبية تحكم عبر صندوق الاقتراع.

إذاً، لا تكتمل العلمانية باعتبارها وسيلة لتنظيم الفضاء العام إذا لم تجاورها الديمقراطية وتمنع تطرفهما واستبدادهما قيم مواطنة مدنية، تعطي الحق لكل من يحمل فكرا دينيا التعبير عن رأيه بالطرق القانونية. وهذا الرأي يشمل بالطبع جميع القضايا العامة التي تستدعي في المحصلة تنظيم هذا الرأي وفق القانون بما يؤثر في القرارات السياسية والاقتصادية التي تتجه إلى شرائح المجتمع جميعا من دون أنْ تفرّق بين متدين وغيره.

والحقيقة أنّ هذه الأفكار ما تزال مثار جدل وأخذ ورد في دولنا ومجتمعاتنا، ولا إجماع سياسيا أو اجتماعيا حولها، لكن السؤال ما البديل عن هذه الأفكار والمبادئ؟!

إنّ السلم الأهلي والاستقرار والتمثيل العادل وترسيخ المواطنة ومنع التفكك والتفتيت مجال اختبار لدولنا ومجتمعاتنا، لكن من الصعب أنْ تنجح في الاختبار أنظمة طائفية أو دول متآكلة وهشة ينخرها الفساد والاستبداد. كما من الصعب أن تنجح في هذا الاختبار نخب تمالئ الجمهور وتغشه، ولا تقوم بدورها في محاربة الطائفية والمذهبية والفئوية والتعصّب والتطرف.

"يا نعيش سوا.. يا نموت سوا" صرخة في الصميم، لكن السؤال: هل اتفقنا على الطريقة المثلى التي نكون فيها شركاء في الوطن، ونشعر أن دولنا لنا جميعا؟ أزعم أنّ الإجابة لا.

mohammed.barhoma@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »التهميش سبب العلل (ابو خالد)

    الأحد 9 كانون الثاني / يناير 2011.
    الكنيسة لم تصبح دولة داخل الدولة الا نتيجة سياسة تهميش الاقباط المتبعة في مصر ,فمن غير المعقول ان لا ينجح في انتخابات مجلس الشعب المصري اي قبطي.منى مكرم عبيد القبطية ترشحت في دائرة يسيطر عليها الاخوان ظننا منها انهم سينتخبوها نظرا لمواقف والدها مع الاخوان .فوالدها وعلى ذمة زميلك ياسر ابو هلالة ,كان الرجل الوحيد من خارج اسرة البنا الذي شارك في جنازته ,كون السلطات في حينه منعت الناس من المشاركة في جنازته,الا انها لم تنجح في الانتخابات .من غير المعقول ان تخرج مظاهرات ضخمة من اجل فتاتين مسجونتين (في الكنيسة) ولا تخرج هذه المظاهرات منددة بألاف مساجين الرأي في سجون الدولة .الاحتقان الطائفي في مصر سببه النظام هناك الذي يرفض الاعتراف بوجود مشكلة ,وهذا ما يحدث عندما يهمش الناس ,فأنهم يرتدون الى هويات فرعية .ما يحدث في مصر مرشح للحدوث في اماكن اخرى ,وها هو السودان على وشك ان يصبح سودانيين نتيجة لهذا التهميش المتراكم ,لا بل ذهب حسن الترابي لأبعد من ذلك قائلا ان السودان مرشح الى ان ينقسم الى ثمانية دول.لا حل الا بالديمقراطية الحقة ,لا ديمقراطية الديكور والزخارف التي تكرس امر واقع بأسوأ ما يمكن .
  • »يا نعيش سوا ... يا نموت سوا (ali)

    الأحد 9 كانون الثاني / يناير 2011.
    مقال جيدجدا