محمد برهومة

المواطَنة وتوسيع الخيارات والفرص

تم نشره في الجمعة 7 كانون الثاني / يناير 2011. 02:00 صباحاً

كلّما توسعتْ الخيارات أمام الإنسان وتنوّعت الفرص من حوله، كان ذلك مؤشر عافية وحظ عظيم. وقد كان أهم ما لفت إليه تقرير التنمية البشرية العربية العام 2002 أن "رفاهية المجتمعات لا تقاسُ فقط وفق معايير مادية واقتصادية وإنما أيضاً وفق سيرورة "التنمية البشرية"، والتي يستحيل تحقيقها من دون توفر ثلاثة شروط: أولاً، توسيع مدى الخيارات المتوفرة أمام الفرد، وثانياً، تحسين قدراته وأدائه، وثالثاً، فتح الفرص أمامه في ميادين المجتمع والسياسة والاقتصاد والثقافة. أي أنه ينبغي للمرء أنْ يكون مؤهلاً للتأثير بشكل فاعل في السيرورات التي تبلور حياته". إذاً كلمة السرّ هي: توسيع مدى الخيارات والفرص والمقدرة على التأثير بعدالة في صناعة الحاضر والمستقبل.

قبل قرون، كانت معركة الغرب مع التقدم تستهدف أخذ جزء من قوة الدولة لمصلحة قوة الفرد والمجتمع. قوة الدولة حينذاك كانت طغيانا واستبدادا، وكان التقدم نحو الديمقراطية واحترام الإنسان يعني أول ما يعني خلق آليات مؤسسية وقانونية لتقييد ذاك الاستبداد والطغيان والجور. لقد كانت خيارات الفرد وفرصه في أن يكون هو لا شيئاً آخر ضعيفة ومتلاشية، وبدأ التغيير حين قُدّر له أن ينوّع خياراته وفرصه ويصنع مصيره. أي أنّ الفرد والمجتمع أخذا قسطهما من القوة التي كانت تحتكرها الدولة/ السلطة.

لكنّ الديمقراطية لا تقوم في دولة ضعيفة، ولافتةُ "قوّة لبنان تكمنُ في ضعفه" على سبيل المثال، أورثتْ بعد سنين حصاداً مُرّاً، وتبيّن أنّ مقتلها كان في تعاظم قوّة الطوائف على حساب هيبة الدولة التي تكاد تفقد أحد أهم مميزاتها وصفاتها وهو احتكارها استخدام العنف والقوة العسكرية وإنفاذ القرارات. ولعل نظرة أوسع إلى قائمة الدول الهشّة أو الفاشلة أو المرشحة للفشل في العالم العربي، تفيد بأنّ تآكل الدولة العربية (بسبب تنامي ظاهرة التسلح الأهلي أو الطائفي أو العرقي، إلى جانب ضعف الاندماج المجتمعي وانتصار الهويات الأولية على هوية المواطنة) يعدّ اليوم تحديا أساسيا ومعضلة تتطلب معالجات عاجلة. كانت فكرة الفصل بين السلطات في الدولة الحديثة ناشئة عن محتوى أساسي يقول بضرورة توزيع القوة والنفوذ بين الدولة والفرد والمجتمع، بما يكفل توزيع الثروة بعدالة وتأكيد مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص في ظل تحكيم رابطة المواطنة في تعريف الأشخاص والبشر المنتمين لأمة ما. وفي التجربة الأوروبية، أوجدت حركات الإصلاح الديني وترسيخ الفكر العلمي والثورة العلمية والتكنولوجية والفلسفية مجتمعات تميل في مجموعها نحو العقلانية والتفكير الحر والإبداع، وكان هذا مقدّمة لنشوء الدولة الليبرالية التي أنشأت فيما بعد الدولة الديمقراطية. أي إنّ التجربة الأوروبية دلّتْ على أن الدولة الحديثة كانت مقدّمة لنشوء الدولة الديمقراطية. والدولة الحديثة هي دولة مدنية يُحترم فيها الإنسان والحرية والقانون والعلم.
وجاءت الدولة الديمقراطية لتضيف أنّ حقوق الفرد لا تكتمل من دون حقه في اختيار من يحكمه ويمثله، أي أن حرية التعبير والتفكير والإيمان بالتعددية لا تكفي من دون تقنين مبدأ التداول السلمي للسلطة. إنه ترسيخ لمبدأ توسيع الخيارات والفرص. وإذ لا وجود لدولة مواطنة، فلا وجود لمجتمع مدني. ودولة المواطنة والدولة الديمقراطية بمفهومها الحديث تدين للقيم الليبرالية (خاصة احترام الحريات الفردية والعامة بقوة القانون والدستور والحماية المجتمعية لتلك القيم واحتضانها كهوية).

قصارى القول، إنّ دولة المواطنة هي الدولة التي لا تحشُر مواطنيها في خيارات إجبارية يعانون فيها ضعفَ تكافؤ الفرص أو نُدرتها.

mohammed.barhoma@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »هذه هي الاسباب (محمد امين)

    الجمعة 7 كانون الثاني / يناير 2011.
    كما جاءت في كتاب مقدمة في علم الفساد للكاتب اياد العلي:
    أن أثرهم المدمر والتخريبي اشد تأثيرا وفتكا من أي عدو خارجي لان معاول الهدم التي يستخدمونها في الفساد والإفساد تعمل هدما ونخرا في أساسات وأعمدة الدولة والمجتمع من الداخل ولذلك يحق لنا أن نصنف هذه الزمرة الفاسدة ( بأعداء الداخل) لأنهم بأفعالهم التي يقدمون فيها مصلحتهم الذاتية والأنانية على مصلحة الوطن والولاء والمواطن ويساعدون على ترسيخ مبادئ المحسوبية والرشوة والمناطقيه وشراء الذمم والأصوات والأقوات فأنهم إنما يفككون النسيج الاجتماعي لأي دولة ويحولون مبدأ الانتماء والولاء إلى مبادئ أخرى مثل النفعية والانتهازية واللاوطنية, فالمواطن العادي البسيط عندما يشاهد ويعايش انتشار واستشراء الفساد في وطنه وتركز الثروة والمناصب في أيدي زمرة لا هم لها إلا مصلحتها الذاتية الأنانية وان هذه الزمرة جاء معظم أفرادها من أدنى السلم الاجتماعي في الغالب وأصبحت بين ليلة وضحاها (علية القوم) والمتحكمين بمصير الشعب ,فان هذا ما يفرغ من داخل أي مواطن عادي بسيط أي معنى للانتماء والولاء مما يدفعه للتراجع والتقوقع داخل (جيتو) يجمعه مع من هم على شاكلته من المواطنين البسطاء , وهنا يصبح داخل الدولة الواحدة مجتمعين منفصلين لا علاقة اجتماعيه أو وطنيه بينهما وهنا يأتي مكمن الخطورة والخطر عندما ينقسم المجتمع إلى مجتمعين غير متفاعلين وغير منسجمين الأول :يضم الاغلبيه من المواطنين تعيش في (جيتو منعزل) خاص والثاني: يمثل الاقليه ألنفعيه والفاسدة المتحكمة بالاقتصاد والسياسة, ويكمن مكمن الخطورة أن غالبية مجتمع (الجيتو) المنعزل عن الأقلية المتنفذه يتملكها ويسيطر عليها في النهاية مفهوم ومبدأ (اللامبالاة الوطنية) فمع مرور الوقت يترسخ هذا المبدأ الخطير في وجدان وسلوك الأغلبية المنعزلة ويتجلى ذلك من عدم اكتراث بالمحافظة على المرافق العامة للدولة إلى عدم مبالاة قد تصل إلى حد الشماتة لو أصاب الوطن أي مكروه أو كارثة سواء كارثة طبيعية أو خارجية لأنهم في النهاية سيعتبرون أن حدود الوطن عندهم هي حدود الدار التي يقطنون فيها وان مجموع المواطنين الذين يكترثون لهم هم أفراد أسرتهم أو عشيرتهم ,لهذا فهم بعد أن ترسخت لديهم مع مرور الوقت مبادئ الانعزال واللامبالاة تجاه الوطن الكبير و أصبح لديهم إيمان قوي أن هذا الوطن ليس لهم أو لأبنائهم وأنهم مجرد أعداد تكمل مجموع الشعب وان دورهم محصور في أداء بعض الأعمال والوظائف التي (خلقوا) لها هم وذريتهم فأنهم بعد ذلك يتولد لديهم إيمانا راسخا انه لا يوجد لديهم ما يخسرونه إذا خسر الوطن . لان هذا الوطن غير الوطن الذي يعيشونه بل أصبح وطنا (للأقلية) الفاسدة .