ياسر أبو هلالة

معان: الجرح الذي لم يبرأ

تم نشره في الخميس 6 كانون الثاني / يناير 2011. 03:00 صباحاً

تستدعى الهويات الفرعية، وليس مثل المأساة ما يستعجل هوياتك الأولية، وفي الجريمة البشعة أكتشف هويتي من معان المدينة، وتتحدد أكثر إلى عشيرة الكراشين وأكثر إلى عائلة أبو هلالة، لأكون من أولياء الدم. وأطلب ثأري، فالدم لا ينام.

من السهل أن ينقاد الناس لغريزة الانتقام والثأر، والجريمة البشعة التي تمثلت في قتل شباب عزل يكدون لكسب لقمة العيش، والتضامن مع القاتل في هياج جماعي عبّر عن أسوأ ما في مجتمعنا، واستدعى رد فعل غاضبا استهدف الحلقة الأضعف في محافظة معان؛ مؤسسات الدولة.

وما لا جواب له أين ستتوقف المأساة، وهل الثأر الأعمى من عشيرة القاتل سيوقف النزف أم أننا سندخل في حلقة قتل جهنمية لا تتوقف؟ وحتى لو قبض على القاتل وأعدم، هل يحل الوئام محل الخصام ؟

كان يمكن أن تكون الحادثة معكوسة. فظاهرة العنف الاجتماعي لا تستثني منطقة ولا عشيرة، وما حصل لا يعبر عن شجاعة القاتل ولا عن جبن المقتول؛ هي لحظة شيطانية فاضت فيها أرواح بريئة أزهقت ظلما وغدرا وعدوانا. والشجاعة اليوم تتطلب القصاص من القاتل، تماما كما تتطلب التحلي بخلق العفو والصفح والمغفرة. وعلى أولياء الدم كما على ذوي الجاني التخصيص لا التعميم "فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل" "ولا تزر وازرة وزر أخرى".

نخون أنفسنا إذا قدمنا الهوية الفرعية على الهوية الجامعة. حقيقة أفتخر بأني من قوم تحلوا بالشجاعة حين خافت الناس وكانوا بهبتهم في العام 1989 بوابة تحول ديمقراطي لو أخذ مداه لما وصلنا إلى درك "العنف الاجتماعي". في نيسان من ذلك العام كانت معان المدينة ليست عنوان توحيد للمحافظة، بدوا وفلاحين ومدنيين، بل عنوان توحد البلاد.

لا يحتاج أبناء معان إلى إثبات شجاعتهم في مواجهة عمل إجرامي جبان، ومظاهر الغضب الأعمى التي استهدفت مرافق للدولة ومحلات تجارية لإخوانهم البدو، كانت ردة فعل على ما اعتبروه تقصيرا في معالجة الإشكال لحظة حصوله، إذ قطعت الطريق وقتل سائق من خارج المدينة بطريقة وحشية لاإنسانية وتعرضت محلات أبناء المدينة وسياراتهم للاعتداء.

تندرج الهويات الفرعية في ظل الهوية الجامعة، هل يمكن أن نفصل ابن البادية هارون الجازي الذي قاتل على أسوار القدس عن هملان أبو هلالة الذي استشهد فيها؟ الأول من بادية المحافظة والثاني من المدينة، وكلاهما حملا السلاح في قضية كبرى عادلة، وعبرا عن التضحية في مكانها الصحيح.

تستحق القدس التضحيات، والعدو ليس الصهاينة فقط، العدو أيضا الفقر والظلم والفساد والجهل والتخلف. من المحزن أن من قضوا في الحادثة المؤسفة كانوا يكدون في سبيل العيش الكريم، ومعان مدينة وبادية ما يزال الفقر ينهشها وهي أحوج ما تكون للتنمية. والأصل أن يكون مشروع الديسي نعمة على المنطقة كلها لا نقمة. وحتى يلتئم الجرح نحتاج إلى حرب مفتوحة مع الفقر، لا حربا مفتوحة بين الإخوة. وتلك مسؤولية عامة للدولة يجب أن تجند فيها جهود القطاعين العام والخاص. والحضور الأمني للدولة يجب أن يسبقه حضور في التربية والتعليم والزراعة والإنتاج.

هذه هي قضية أبناء المحافظة، كيف يمكن أن يرفعوا سويتهم الاقتصادية بالاعتماد على موارد المنطقة. وهي موارد هائلة تتمثل في المياه والسياحة (البتراء والعقبة ووادي رم) وقطاع النقل برا وبحرا. وتلك قضية وطنية عامة لا مناطقية خاصة. والأمل أن تتحول المحنة التي تمر بها المحافظة اليوم إلى منحة. وإن كان ذلك صعبا فإنه ليس بالمستحيل.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »حماك الله يا معان الأصالة.... (عمو جمال)

    الخميس 6 كانون الثاني / يناير 2011.
    أبدعت والله يا أستاذ ياسر...
    فأنت وعشيرتك الكريمة من في خضم الموضوع...
    وتقول هذا الكلام الأكثر من رائع...
    قد يخاصمك البعض لكن الأغلبيه حتما ستؤيدك...
    أتعرف لماذا ؟؟؟
    لأن الأغلبيه في معان الأبيه هم من المثقفين والكبار في أخلاقهم وكرمهم ورجولتهم ...ووقفاتهم التي لا تنسى مع قضايانا العربية ...وأخصها فلسطين وأهلها...
    معان ...انها بلد العز ...بلد الفخار...بلد الرجولة والمواقف الشريفه...وأهلها أهل النخوة والبطولة
    حماها الله واهلها من كل مكروه...
    وحمى الله الاردن عزيزا كريما امنا مطمئنا....عصيا على الحاقدين والجهله...في ظل الهواشم الميامين..
  • »بت خائفا (محمد)

    الخميس 6 كانون الثاني / يناير 2011.
    ولكن، ألا يجب أن تكرم الدولة معان، بركبها ورجلها؟ ألا يجدر بأطفالنا أن يعرفوا ما هي معان وماذا قدمت لهذا الوطن؟
    أين الثقافة التي تصنع تاريخ دولتنا الأردنية الحديثة؟ ألا يجدر بتاريخ معان أن يكون معروفاً للقاصي والداني؟ ألا يجب أن يكون في معان مكتبات وطنية زاخرة، ومحطات ثقافية تميزها عن بقية المحافظات؟
    ألا يجدر العناية بجامعة معان والنهوض بها؟
    أحب معان، وأحب الأردن، ونسأل الله أن يجنبنا نار الفتنة والفوضى.

    شكراً أبو هلالة، والله يكبر مقامك، والنعم فيك وبأصلك الغانم
  • »عظم الله اجركم (Kreem)

    الخميس 6 كانون الثاني / يناير 2011.
    بعين الله اخي ياسر
  • »قالب حلوى (م. فتحي ابو سنينه)

    الخميس 6 كانون الثاني / يناير 2011.
    مقاله جيده اخي ياسر, اعزي اهل معان ومحيطها, واهل الجنوب عامة واهل الاردن ككل على هذا المصاب الاليم الذي احزننا جميعا, وندعو الله ان يحفظ هذا الوطن من هكذا مصائب, ودورنا العمل الجاد لتجنيبنا من اي اذي يلحق باي فرد منا او يلحق بممتلكاتنا, ويفتح جروحا نحن في غنى عنها.

    لا شك اخي ياسر ان ما حدث هو نتاج للعنف المجتمعي الذي نعاني منه, ونمو الهويات الفرعيه, والعشائريه, وغياب الفكر الجامع, وايضا لا يخرج ما حصل من نتائج الازمه الاقتصاديه الصعبه التي يمر بها مواطنينا حيث تتراوح في شدتها بين مناطق المملكه, والجنوب اكبر الضحايا لهذه الازمه.

    حين يتصارع الاهل او الاخوه على وظيفه او عمل في شركه, وهنا هذه الوظيفه اعتقد انها لا تخرج بحجمها عن عامل مياومه ولا اعرف التفاصيل ويؤدي هذا الامر الى ما ادى اليه من ضحايا ابرياء وحوادث مؤسفه, كل هذا يدعونا الى البحث والخروج بحلول ووسائط فاعله للخروج من هذه الدوامه العنيفه التي لا تبقي ولا تذر.

    اعتقد اخي ان المشكله الحقيقيه هي غياب الوعي الجامع, او الفكر الجامع لدينا, حيث يتفكر الناس ليل نهار بحثا عن ما يميزهم عن غيرهم, ناسين اننا كلنا اردنيين, نبحث عن الهويات الفرعيه, والعشيره كي نستخدمها للسطو على الاخرين, والفوز بمكاسب تميزنا عن غيرنا. وهنا تغييب للوطن.

    يجب ان لا نتهاون ابدا مع من يثيرون غرائز الناس هنا او هناك, ويتصدرون المصائب ليظهروا وكأنهم طوق النجاة لمجتمعاتهم وجماعاتهم وفي النهايه, الخاسر نحن جميعا.

    طبعا المخرج الحالي من الالم الذي بلينا فيه في معان هو الوسائل العشائريه, لانك لن تستطيع مع غضب اللحظه وقف النتائج المريره التي سببتها هذه الجريمه, وعلى الدوله ان تثبت سيادتها على ارضها وتثبت تسود القانون الواحد ببعاقبة كل من خرب واباح دماء واموال الاخرين, على قاعدة سيادة القانون على الجميع وبالتساوي.

    هذه الحوادث المؤسفه المستنكره, تضاف الى ما قبلها من عنف الجامعات او الملاعب او غيرها ولن تكون الاخيره, وهنا الدعوه الى عدم الانكار او التعتيم على الواقع بحجة العيب في نشر غسيلنا الوسخ.

    مثالك عن شهداء معان وما حولها على اسوار القدس مثال رائع, فلقد جمعتنا القدس يوما من الايام, وجمعتنا فلسطين ومصائب اهلها ووحدتنا, وكل الذي يحصل من نمو الهويات الفرعيه والغنف هو نتيجه اخرى احد اسبابها تغييب الجامع الاساسي للامه العربيه وهو الصراع مع العدو المشترك "اسرائيل"

    في الدول المتقدمه حين يحصل الركود في الاوضاع السياسيه كانت الانظمه تفتعل للشعوب اعداء للتلهي بها ولتجمع الناس, اما نحن فنحن من محبي الركود "والستاتيكو" وحتى القضيه الجامعه التي كنا في ظلها لا نعرف ولا نعترف بالهويات مقابله, هذه القضيه غيبت وحتى في مناهجنا المدرسيه, وتاريخنا, فمن اين لاهل معان وما حولها ان يتعلموا عن شهدائهم على اسوار القدس, افضل من التفاخر بغزوه او انتصار تاريخي لعشيره على اخرى لا سمح الله.

    في سلوكنا وممارساتنا نعامل وطننا وكأنه قالب حلوى, وهنا العنوان, ما دام القالب كبيرا كل يجد مكانا له ليتناول ما فيه, وكلما اكلنا نقص وبدأنا نقترب من المركز, وهنا الزحام والمنافسه والتقاتل لنيل المكان الافضل لاكل الحلوى. وهنا العنف واشكاله.

    هل هكذا تعامل الاوطان؟

    الاوطان هي بيوت لنا جميعا, يجب ان نبنيها ونحصنها ونوسعها دوما, ونقوم بحراستها واصلاحها وعمل الصيانه لها لنعود بعد الجهد والعمل لننام في دفئها, ونصحو في اليوم التالي لنسعى ونعل.

    ارجو ان نتعظ بما حصل ونعالج كل الخلل في الجنوب والشمال وفي كل ركن من هذا الوطن حتى لا تتكرر هذه المأساة المحزنه, وان يكون مدعى تفاخرنا هو اقدامنا وقتالنا واستشهادنا في الدفاع عن اوطاننا.

    شكرا
  • »مأساة (ابو خالد)

    الخميس 6 كانون الثاني / يناير 2011.
    ما حدث مؤسف جدا ويجب ان نعي اننا نعيش في القرن الواحد والعشرين وان عصر الانتقام الاعمى والاخذ بالثأر قد انتهى ,وان مهاجمة البريء الغافل الذي لا يد له في ما حدث لا يقل جبنا وبشاعة عن الجريمة نفسها ,فما ذنب سائق شاحنة يسعى وراء رزقه لأن يقتل بطريقة بشعة كما تقول لأن من طلبوا الثأر ظنوا انه من اقارب القاتل الجاني؟
    وما ذنب ممتلكات الدولة التي هي ملك للجميع ,لأن تهاجم وتدمر وتحرق؟
    يجب ان لا نلوم الا انفسنا فيما يحدث ولا يجب ان نلقي باللوم على السوية الاقتصادية لأبناء المحافظة ,فالسوية الاقتصادية لأغلبية شعبنا متواضعة ,فهل نجعل منها مبرر لمثل هذا العنف؟.
  • »موارد الجنوب لتسمين العاصمة وكبارالمسؤولين (م/محمد امين ابورمان -الرياض)

    الخميس 6 كانون الثاني / يناير 2011.
    بالبداية رحمة الله على المغدورين واعقب واقول ان الفقر والبطالة والجوع بالاردن يتركز بشكل كبير بمدن وقرى وبوادي الجنوب ،وبالنفس الوقت وبشكل متنافض تتركز فيه كل موارد الاردن من بوتاس وفوسفات واسمنت وسياحة ونقل ولاحقا البترول من الصخر الزيتي ؟؟؟
    قد يؤدي هذا التناقض في يوم من الايام لما لايحمد عقباه ، والجوع كافر ويعمي الابصار؟؟؟؟
  • »تاييد (عمادالشمري)

    الخميس 6 كانون الثاني / يناير 2011.
    اشكرك على هذا القول الرائع فانت وضعت الاسباب والحلول ولكن من يسمع .لايوجد جديةومؤسسية في التعامل مع المشاكل المتكررة التي اساسها الفقر والبطالةوالاقصاء المتعمد. ارجو من الحكومة فتح ملف معان بكل جدية وقراءة تاريخهاالاجتماعي والسياسي والديمغرافي
  • »حرام (اردني)

    الخميس 6 كانون الثاني / يناير 2011.
    سلمت يا اخ ياسر على هذا المقال
  • »أحسنت (مجدي)

    الخميس 6 كانون الثاني / يناير 2011.
    جزاك الله خيرا فكلماتك تقرب وتوحد وتضمد الجراح وهذا حال الغيور على أمته إما أن يقول خيرا أو ليسكت ، مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم : ( من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت ) وأتمنى على الحكومة أن تعمل بالقول الآخر ( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ) حفظ الله الأردن والأمة العربية والإسلامية من الشرور ومن عبث العابثين
  • »العنف الاجتماعي (عمر الحميدي)

    الخميس 6 كانون الثاني / يناير 2011.
    عندما يسود الفقر و الظلم و الفساد ..عندما يكرم الفاسد و يهمل النظيف ...عندما ينجح الطالب بالواسطة و لا يجد الطالب النجيب الوظيفة ...عندما تشتد الهوة بين افراد المجتمع ..عندما يحرم الانسان من حقوقه و يشعر بالغيظ ...و غير ذلك : سيولد عنفا و إحباطا و عصبية !!!
  • »كلمة واحدة (باسل العناني)

    الخميس 6 كانون الثاني / يناير 2011.
    أبدعت