إرادة التغيير: طريق شنقيط وجبنة الإبل

تم نشره في الثلاثاء 4 كانون الثاني / يناير 2011. 03:00 صباحاً

 أسرع إجابة يواجهك بها أي عربي تسأله عن دوره حيال احداث التغيير في محيطه وفي البلاد التي يقطنها، لا تتعدى بضع كلمات تنطوي على الهزيمة والضعف: يد واحدة لا تصفق، وانا واحد من ضمن ملايين لم تقرر تغيير أحوالها بعد.

تلك الروح الانهزامية لها ملامح تختبئ خلف التاريخ وامام اللحظة الحاضرة، بيد أن في محيطنا العربي دلالات وآثارا لأفراد استطاعوا ان يحركوا المياه الراكدة ولو بعد حين، وتمكنوا أيضا من تحسين صورة الاقتصاد لهم وللاخرين وحتى انجاز ما لم تتمكن دول كبرى من عمله.

في النموذج الموريتاني مقاربة لصدقية القول الآنف، ففي الوقت الذي فشلت فيه دولة الاستعمار فرنسا ودولة الاستقلال موريتانيا من ربط مدينة شنقيط التاريخية الزاخرة بالمعرفة والمخطوطات بمحيطها من المدن والقرى الشمالية الموريتانية وكذلك بطلاب العلم الذين يرتحلون اليها من كل بقاع الارض، تمكن موريتاني واحد من تحقيق ذلك، فكان محمدو ولد إبنو نموذجا للارادة والقدرة على الفعل.

الطريق من إطار – مدينة السياحة الشمالية – إلى شنقيط يبلغ
90 كيلومترا، وتقع نحو خمسة كيلومترات منها في منطقة جبلية أزهقت من خلالها أرواح كثيرة قبل منتصف الثمانينيات، وهذا التحدي جعل من ولد إبنو مصرا على تكسير تلك الجبال التي تحجب شنقيط عن محبيها، فجمع ماله وأموال عائلته، واستمر العمل بمساعدة أبناء شنقيط لشق الطريق الجبلي لستة اعوام متواصلة حتى 1988، وتم استخدام ما يقارب 90 طنا من المتفجرات حتى استطاع رجال شنقيط من تكسير الجبال وتعبيد الطريق الى منطقتهم الغنية بالتاريخ والفكر والشعر.

وعندما يعبر المرء من تلك الطريق يشعر بحجم الجهد النوعي الذي نفذه هذا الرجل المنتمي لبلاده المحب لأهلها والذي استطاع منفردا في بداية الأمر تذليل المستحيل، وعندما تقابل ولد ابنو تشعر بأنك أمام إرادة شاب متحمس يسعى للتغيير والتطوير دوما وهو يستقبل العام الاول في عقده الثامن، وكم هي جرأة ان يفكر رجل بعينه في تنفيذ طريق صعب وأن يتغلب على جغرافيا جبلية، في الوقت الذي ظل فيه الجنرالات في تلك البلاد يتقاتلون للوصول الى الكرسي كي لا يفعلوا شيئا بعد مرور انقلاباتهم التي لا تتوقف.

مشهد الإرادة الصلبة لا ينحصر في الذكور فقط ، ففي بلاد الشناقطة استطاعت سيدة الأعمال نانسي عبيدالرحمن في الثمانينيات ايضا من تغيير العادات السائدة عبر اقناع البدو بضرورة بيع حليب الابل الذي كان يضيع هدرا نظرا لأن "البدوي لا يبيع الحليب" كما كان سائدا انذاك.

اقنعتهم بالفعل من خلال حوارات مديدة ، واسست مصنعا فريدا على مستوى العالم لتصنيع منتجات حليب الابل، بدأ خط الانتاج بستة ليترات من الحليب يوميا اواخر الثمانينيات وهو اليوم يفوق عشرين الف ليتر ، وتزيد وتيرة العمل في المصنع نظرا لوجود نحو 1.5 مليون رأس ابل في موريتانيا وكذلك لوجود طلب اميركي وافريقي على منتجات حليب الابل.

كثير من العرب لم يسمع عن جبنة الابل أو يذوق طعمها، ولكن هذا المنتج يجد رواجا الآن في عدد من المدن الاميركية، فبعض المستهلكين الاميركيين تستهويهم تلك الجبنة، وثمة خط تصديري بين نواكشوط ونيويورك لمنتجات حليب الابل يزداد قوة يوما بعد يوم.

للمرء ان يتخيل حجم القيمة الاقتصادية التي أضافها رجل الاعمال ولد ابنو لمسقط رأسه، وتنقلنا الحقيقة – وليس الخيال – الى فهم حجم الفائدة التي عادت على مربي الجمال والعاملين في المصنع وعلى سيدة الاعمال عبيدالرحمن بعد ان كانت كميات كبيرة من الحليب تسكب على الرمال بسبب تقليد بدوي لا رصيد له في الواقع.

زبدة القول أن رجال وسيدات الاعمال يجب أن لا يكونوا عبئا على اوطانهم بل سببا في تحسين شروط حياة الناس، وارادتهم – بوصفهم نخبا – ضرورية في تغيير مشهد الاقتصاد ومعيشة الافراد.

 hassan.alshobaki@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »رائع (م. فتحي ابو سنينه)

    الثلاثاء 4 كانون الثاني / يناير 2011.
    مقال رائع ومعبر اشكر كاتبه عليه.