سنة نجيب محفوظ

تم نشره في السبت 1 كانون الثاني / يناير 2011. 02:00 صباحاً

تبدأُ اليوم في مصر "سنة نجيب محفوظ"، بمناسبةِ عيدِ ميلادِهِ المائةِ فيها، وهو الذي تُوفي عن 95 عاماً في 2006، وستشهدُ السنةُ سلسلةَ احتفالاتٍ به، تُضيءُ على منجزِه الإبداعيِّ الوفير، وتجدّد التنويهَ بالقيمةِ الجماليةِ العاليةِ لرواياتِه. ونظنُّها المرَّةَ الأولى التي يتمُّ في بلدٍ عربيٍ مثلُ هذا النوعِ من التكريمِ لشخصيةٍ بارزة، ونظنُّ أنَّ من الطيِّبِ أنْ تُشارِكَ دولٌ عربيةٌ مصرَ هذا الاحتفاء بالكاتب الكبير، لأهميَّةِ تعميمِ الإدراكِ بانتسابِ أعمالِهِ إلى الأدب العربي، وهو الذي صارَت الروايةُ العربيةُ معه غَيرَها قبله. وفي وُسعِ بعضِ مؤسّساتِنا الثقافية، في الأردن، أنْ يكونَ لها إسهامُها في الاحتفالِ بمئويةِ محفوظ الذي ينسحبُ تأثيرٌ له كبيرٌ على السينما المصرية، المصدرِ الأول لإطلالاتِنا على السينما عموماً. يُشار إلى هذا الأمر، وفي البالِ أنَّ أدبَ الراحلِ حظيَ بندواتٍ وكتاباتٍ عديدةٍ عنه، وبدراساتٍ غيرِ قليلةٍ في الجامعاتِ العربية، فأُعطيَ الكثيرَ من حقِّه، غيرَ أنَّ هذا لا يُلغي تعزيزَ التقليدِ العربيِّ المستجد، أيْ الاحتفالِ بمائةِ عامٍ على ولادةِ أديبٍ أو فنّان. كما أنّ من المهمِّ أنْ يبقى نجيب محفوظ في ذاكرةِ الأجيال، بالتشجيعِ على قراءةِ نصوصِه وتذوقها، وتالياً، بتحبيبِ الجميع بالروايةِ الرائقةِ، أياً كان كاتِبُها.

كان محفوظ محافظاً في أفكارِه وآرائِهِ السياسية، وقد يجوزُ اعتبارُه رجعيّاً بعضَ الشيء، ولم تكنْ له مواقفُ كبرى في محطاتٍ خاصَّةٍ في مسارِ الصراعِ العربيِّ الإسرائيلي، وقد حُسِبَ من مؤيدي معاهدةِ كامب ديفيد، وكانت مشاغله مصريةً فقط، ولم يحاولْ تجاوزَ محدودِيَّتها. يُؤتى على هذا الأمرِ هنا، للتأشيرِ إلى أنَّ الاحتفاءَ بنجيب محفوظ يتمُّ للتأكيد على أنَّ الروايةَ (والقصة) كانت الميدان الذي أبحر فيه نحو 70 عاماً، وحقَّق الإجادةَ العربيةَ الأبرز فيه، فكان العربيَّ الوحيدَ الذي فازَ بجائزة نوبل للآداب. وتُعدُّ رواياتُه التي تصل إلى الخمسين مدوَّنَة سرديةً لتحولاتٍ وانعطافاتٍ اجتماعيةٍ وسياسيةٍ عرفتها مصرُ منذ ثورة 1919 وحتى عهد حسني مبارك، وأطلت رواياتٌ أولى له على الزمن الفرعوني، قبل أن ينصرفَ إلى المُعاشِ والواقعيِّ الذي يعرفُه، وإلى الفضاءاتِ المكانيةِ والاجتماعيةِ التي يختبرُها بنفسِه، ويتفاعلُ معها، ويلتقطُ منها شخصياتِه وعوالمَه وأجواءَه وحكاياتِه. وفي محلِّهِ اجتهادُ كاتبٍ رأى أنَّ روايات محفوظ، بعد تحولِّهِ المبكِّر عن التاريخِ البعيد، راحت إلى أحشاءِ المجتمعِ المصري، وتتبعت طرائقَ حياتِه وأشواقَ الناس فيه إلى العدلِ والحرية.

تنتسب رواياتُ الكاتبِ الكبير إلى أدبِ الحياة، وليس إلى أدبِ الأفكارِ والمشاغلِ الذهنيّةِ وقلق المثقفين، ولهذا، لم يحْضُر سوى نزرٍ يسيرٍ من سيرتِه في نصوصِه، على غيرِ ما نرى من وفرَةٍ فائضِة، وربما مُنفّرَّة، من انكبابِ كُتّابِ روايةٍ عربٍ عديدين على تجاربِهم الذاتية، من دونِ كثيرِ التفاتٍ منهم إلى تفاصيلِ الحياةِ وصخبِها وتلاوينِها، وتنوِّعِ مشاعرِ البشرِ وأمزجتِهم وهمومِهم وأحلامِهم فيها. ولقائلٍ أنْ يُعيدَ ازورارَ محفوظ عن شخصِهِ في أدبِهِ إلى أنَّه لم يكنْ صاحبَ تجربةٍ مثيرةٍ في حياتِه، وأنَّه ظلَّ موظفاً تقليدياً، وإنساناً رتيباً في إيقاعِ حياته. الأهمُّ أنَّ الكاتبَ الكبيرَ بنى معماراً متيناً في الروايةِ العربية، حيثُ الجمالياتُ الأسلوبيةُ الثّريّة، في انتقالاتٍ ومناوراتٍ سرديةٍ، ظلت تغتني بالتنوّعِ الباهرِ في رواياتِ محفوظ، حيثُ الأغنياءُ والفقراءُ والمتدينون والعابثون والحائرون والعشاق والانتهازيون والثائرون والموتورون، أي حيثُ كل الناس في الحارةِ والقصورِ والبيوتِ الشعبية، لتنفتحَ الكتابةُ على إحالاتٍ ذاتِ دلالاتٍ متنوعةِ، وجوديةٍ أحيانا، تُحقّق إمتاعاً كبيراً، تُيَسِّرُهُ مخيلةٌ حاذقة، أوجدَت، مرَّةً، حرافيشَ باقين في الذاكرة. ... لنقرأْ هذا كله وغيرَه في نجيب محفوظ في سنتِهِ، العربيّةِ بالضّرورة، والتي بدأت للتو.

maan.albayari@alghad.jo

التعليق