وليطهركم الله

تم نشره في الاثنين 27 كانون الأول / ديسمبر 2010. 03:00 صباحاً

الإنسان جاهدا في التعلم لتحصين عقله وكسب أدوات رفعته، مختصا بعلوم الأرض وما عليها، من دون أن يتبصر في ذاته أو يغوص في أعماقها، وكما هي الأرض التي لا بد من تحليلها ومعرفة صلاحها لتكون منبتا طيبا لبذرة الخير والنماء فيها. ولا شك أن الأرض التي فسدت بملوحتها وما علق بها من طفيليات وأعشاب سامة تصبح في نظرية العلم أرضا موبوءة بوارا، لابد أن نتخلص من كل ما علق فيها حتى لا يتهدد الموت بذارها، كالنفس التي لا ندرك أحقية العلم عليها إذا لم تُخلّص من أدرانها وما علق فيها من غلو وتعصب وشوائب ينبذها الدين ويشن عليها الحرب العوان.

مقدرا في هذا السياق أن كل ما هو خير فهو ديننا، وما جاء به الحق في نسقه الأعلى وقوله الكريم: "ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج في الدين ولكن يريد أن يطهركم ويتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون"، هي صورة متكاملة لما أراد الله أن يؤسس عليه الكون بكل ما فيه.

إن تطهير الأرض والإنسان والنفوس وصقل خصائص الأشياء وفرز طبائعها والاعتراف بقواها وتحريك طاقاتها لا بد له من التطهّر، لنفصل به الحق عن الباطل، دافعين بالخير لإقصاء الفساد واختراق حواجزه والخروج من دوائره واجتثاث الشرور بنعمة أضدادها، لنرسم الحياة في مدار الانعتاق والتمام، ونجعل الإنسان في مقام الأمة مرشدا طاهرا، يحرّم في نفسه السعي للفساد، موظفا عمله المطهّر لغايات سموه، حذرا من الانزلاق والاختلال مما قد يصيب فيه معادلة التكوين والتشكل لمجتمع لا يكون فيه الارتقاء بالعلم وحده وبالمادة تطورا، إلا إذا طَهُر في ذلك كله واستقام في سبيله الذي يحقق إلى الأمة رشدها ويقضي على فرقتها ويبعدها عن البغي والتشرذم والشقاء، كل ذلك لا يكون إلا بنبل المقاصد وطهارة النفس التي تتقي الله ليعلّمها، النفس التي لا تحب ذاتها ولا تكره ولا تتحيز أو تضطرب، التي فرضت ذاتها بقيمة وجودها وقدرتها على الخير، ليفوز الجميع من خلالها بمجتمع كريم ووطن لا يجوز أن يخسر فيه أحد، مثلنا فيه كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له باقي الأعضاء بالسهر والحمى.

التعليق