علاء الدين أبو زينة

أين العيد عن بلد العيد..؟!

تم نشره في الأحد 26 كانون الأول / ديسمبر 2010. 02:00 صباحاً

كان أحد معارفي القدماء يملك ورشة صغيرة لنحت خشب الزيتون في شارع خلفي في منطقة "الوحدات".. ولم يكن مظهره غير المكترث وشاربه المعقوف يوحيان بأن له روح فنان ويدين بارعتين، تخلّقان من أجذال الأشجار الميتة تماثيل وعمائر. ولم أعرف اسمه، وإنما عرفته بكنيته: "أبو شنب"، مثل الكثيرين غيره ممن يحملون نفس الشارب الكثّ المعقوف والكنية. وقد أحببت فيه لهجته الفلسطينية الفلاحية المرحة التي احتفظ بها -لم أعرف كيف- وكرمه وطيبته المفرطة. وعرفت مرة بالصدفة أنه مسيحي من بيت لحم. واستغربت بداية: كنت أعتقد، لسبب أجهله، بأن مسيحيي فلسطين يتحدثون اللهجة "المدنية" وليس الفلاحية، ثم التقيت بعدها بسيدة فلسطينية مسيحية ترتدي نفس الثوب المطرز الذي تلبسه أمي، وتتحدث بنفس اللهجة الفلاحية التي أعرفها تماماً، وغمرني الحبّ.

لم يكن من الممكن أن أعرف ديانة "أبو شنب" من القطع التي ينحتها، ففي ورشته كانت مجسمات قبة الصخرة الكثيرة تتجاور مع تماثيل سيدتنا العذراء والسيد المسيح، وتمثال بدويّ قاعد أمام جمل قائم وقد أمسك بزمامه. وامتلكني الافتخار حين فكّرت بأن صناعة التماثيل المنحوتة من خشب الزيتون تنتمي إلى فلسطين بامتياز، ويحملها السياح إلى آخر الدنيا وقد كُتبت عليها كلمة Jerusalem للتذكار والتبرك. وكان صاحبي يقول بتماثيله أيضاً: كل ما على هذا التراب المقدس من ناس وكائنات وكنائس ومآذن لي، بلدي، وأعرفه حتى أنني أستطيع أن أنحته على الخشب عن ظهر قلب. ولأن لي بعض المهارة في الرسم والخط، قصدني صاحبي أحياناً لأرسم له أيقونة، أو زخرفاً، أو كلمة تدخل في تكوين تماثيله وتذهب معها إلى الخلود في بلاد الدنيا. ثم توفيّ صاحبي، فحمل أقاربه جثمانه ليدفنوه هناك، عند جذور زيتون بيت لحم التي أحَبّ.

اليوم، يذكرني العيد بصاحبي الذي نسيه الناس الذين حملوا تذكاراته، وأداروا ظهورهم لما يحدث للقدس، ولبيت لحم، مدينة صاحبي ومسقط رأس السيد المسيح ومهده. ولا أعرف كيف يقبل المؤمنون في العالم بأن تصبح بلدة السلام محتجزة تماماً خلف الجدران العالية والنطاقات العسكرية التي أحالتها إلى سجن هائل، يعتقل روحها ومسلميها ومسيحييها على حدّ سواء، ولا يترك لها نافذة على الخارج سوى ثلاث بوابات راكعة هي الأخرى تحت بنادق الحرس، لتظل المدينة مثل "ستّ الحسن" المسجونة وراء جدران من جماجم عشاقها وخاطبيها، كما تقول الحكاية التراثية.

كانت هدية الاحتلال الوحشي للفلسطينيين، مسيحيين ومسلمين، في أعياد ميلاد السنة الماضية هي حمم "الرصاص المصهور" التي انهمرت على رؤوس مواطنيهم في غزة، وبمباركة زعماء العالم الذين كانوا يعلمون سلفاً بنية القتل، وفي أيام ذكرى ميلاد سيد السلام عليه السلام. ووقف الجميع يشاهدون اغتيال العيد في بلد صاحب العيد. وفي هذه الأيام أيضاً، تمطر الطائرات الحربية –هدية الولايات المتحدة- ناس غزة أيضاً بطرود القتل الموقعة من الجهتين، لتكون هدية عيد ميلاد مفخخة بالموت من الجهتين. ولأن القذائف بلا دين ولا قلب، فإنها لا تسأل الفلسطيني الضحية عن معتقده، وإنما تنال فحسب جزءاً آخر من جسد البلد الذي يضم كنائسه ومساجده ومحاريبه بذات الحب، وذات اللوعة.

يعزينا قليلاً بعض من يتذكرون في عيد الميلاد ما حل ببلد السيد المسيح وأهله، مثل صاحب "راديو فلسطين" في لندن، ستيوارت ليتلوود، حين كتب تحت السؤال: "ما الذي يحمله سانتا كلوز لأطفال غزة؟". وقال إن الناس في بلده، إنجلترا، يجمعون الأموال في الكنائس بمناسبة العيد لدور الحضانة، ولمشروع الإسعاف الجوي لأطفال تشيرنوبل، لكن أحداً لم يجمع شيئاً لأطفال فلسطين السادرين في اليُتم والهمّ. وكتب رون فورذوفر أيضاً شيئاً حنوناً بعنوان: "آه.. يا بلدة بيت لحم الصغيرة اليوم!" وتساءل عما كان ليشعر به السيد المسيح لو أنه عاد اليوم، ليجد القدس وبيت لحم وبقية بلده ومسقط رأسه، وهي ما تزال تناضل الاحتلال بعد أن خبر في حياته الاحتلال الروماني الذي لم يكن بمثل همجية احتلال اليوم.

ثمة مفارقة غريبة في غياب العيد، بالذات عن بلد العيد.. وليس لنا سوى الأمنيات بأن يحلّ العيد والسلام قريباً على أرض السلام!

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اول مجزرة جماعية قادها ملك اليهود هيرودس ضد اطفال بيت لحم قبل الفي سنة (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الأحد 26 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    رائع يا علاء الدين.شهدت مدينة بيت لحم بمولد السيد المسيح اول قتل جماعي مدون تاريخيا قبل الفي عام ..فيذكر الكتاب المقدس العهد الجديد انه عندما علم الملك هيردوس، ملك اليهود في فلسطين بأنةولد ملك الملوكد في بيت لحم ، أمر جنوده بقل كل طفل حديث الولادة .
    ويذكر الكتاب المقدس انه تم ذبح 5000 طفل ..وأثناء الليل ظهر ملاك الرب ، وطلب من السيدة البتول وزوجها يوسف الهروب الى مصر ليلا
    ومن ذلك الوقت واليهود يعبثون فسادا في كل بقع العالم .وأخر مجزرة لهم كانت في مدينة غزة حيث القوا القنابل الممنوع استعمالها على اطفال غزة
    ومنذ قيام الدولة الأسرائيبلية حتى اليوم لم يهدأ العالم من الحروب الشرسةوالتي كانت سببها دولةاسرائيل
    زما دام الأحتلال جاسم على مدينة السلام فسوف لن يكون سلام ، وسوف لن يكون عيدا حتى يعود الفلسطينيون الى فلسطين ، ويطرد الأحتلال